ليس بحاجة ل«التعشيق» أيام البرد، ولا إلى استبدال الزيت كل بضعة كيلومترات، ولا يلزمه شحن البطارية، كما لا يستدعي تبديل الموتور.. لهذه الأسباب عاد الحمار ليصبح وسيلة المواصلات الأولى في القطاع بعدما أصبحت المركبات والسيارات في غزة غير فعالة في ظل الحصار الإسرائيلي الخانق المفروض على القطاع منذ عامين، والذي حرم القطاع بمقتضاه من الوقود والبنزين اللازم لتسيير المركبات.
ودخلت خدمة العربات التي يقودها الحمار على الخط ليتم بها نقل الجرحى والشهداء إلى المستشفيات خلال التوغلات الصهيونية المتواصلة ضد قطاع غزة وفي ظل استمرار الحصار الخانق على قطاع غزة واستمرار منع إدخال كميات من الوقود.
وبسبب ندرة الوقود في القطاع تشهد حركة السير يوماً بعد الآخر تراجعاً ملحوظاً في شوارعه، منذرة بتوقف شبه كلي.. فأصحاب المركبات الخاصة وضعوها جانباً بعد أن عجزوا عن توفير وقود لها منذ بدء أزمة الوقود قبل نحو شهرين، وأضحوا أمام خيارين، إما المشي على الأقدام أو الالتحاق بوسيلة المواصلات البديلة «عربة الكارو» التي تسير بقوة حمار واحد.
عقب نزوله من «الكارو» شرع خالد الطالب الجامعي في ترتيب هندامه وقال: «لم أجد وسيلة مواصلات أخرى تنقلني إلى جامعتي بعد أن تغيبت عنها أسبوعاً كاملاً.. الامتحانات على الأبواب والمحاضرات تراكمت عليّ فماذا أفعل؟.. هل أبقى في المنزل وأترك الجامعة؟!». ويتابع خالد حديثه قائلاً: «كان أجدادنا يستخدمون الحمار قبل أن يعرفوا وسائل المواصلات الأخرى فلماذا لا نحذو حذوهم في ظل هذه الأوضاع الصعبة».
المتوجه من رفح جنوباً إلى غزة أكبر المدن في القطاع لن يجد بديلاً عن استخدام عربة «الكارو» للذهاب إلى مقر عمله أو جامعته في غزة؛ فبدلاً من أن يكلفه المشوار 20 شيكلاً ذهاباً وإياباً أصبح يكلفه 6 شواكل. لكن ذلك لا يعني أن بوسع الجميع تحمل أجرة عربات «الكارو» خصوصاً إذا كان في الأسرة الواحدة أكثر من شخص يحتاجون للذهاب إلى العمل أو الجامعة، في ظل الشلل الذي أصاب الاقتصاد الفلسطيني من جراء الحصار.
ويقول أبوالوليد الموظف في إحدى المؤسسات الحكومية :«استخدامنا لعربة (الكارو) أعادنا إلى الماضي السحيق، فمن كان يعتقد لوهلة أننا سنلجأ إلى الحمير في القرن الحادي والعشرين للانتقال لأعمالنا وممارسة حياتنا اليومية». وبلهجة تشوبها السخرية الشديدة يقول محمود الطالب الجامعي:«أخيراً أصبح الحمار يمشي بكل شموخ..رافعاً رأسه إلى أعلى ونافضاً صدره أمامه ويمشي بزهو وفخر، ويختال كما الطاووس».
ويمضي محمود في سخريته قائلاً: «الحمار له الحق في ذلك فهو وسيلة مواصلاتنا الوحيدة الآن». وذهب محمود بخياله بعيداً مضيفاً أنه «بعد أشهر سيتغير المشهد تماماً.. فبدلاً من أن أشاهد مواكب السيارات تنقل الوزراء والمسؤولين ستصبح مواكب الحمير تملأ شوارع غزة».
انتشار العربات الكارو في قطاع غزة كوسيلة مواصلات بديلة عن السيارات في ظل قطع الوقود عن القطاع من جانب إسرائيل أدى إلى ارتفاع أسعار الحمير نفسها، فزاد سعر الحمار الواحد بنسبة 60 في المئة في قطاع غزة منذ يونيو الماضي. ووصل سعر الحمار إلى 615 دولاراً، وأدت أزمة الوقود في غزة إلى تقليص المعروض مقابل زيادة في الطلب.
غزة ـ «البيان»