تستعيد بيروت صورا قديمة ظنّ أهلها في زمن سلمهم الأهلي الطري العود تاريخيا، أنهم لن يعودوا اليها، ولكن ثمة من يصر على الاستدراج إلى الاشتباك والعصي والحجارة وحرب الصور والإعلام وربما الرصاص. بين الثالث عشر من نيسان (إبريل) 1975 والثالث عشر من نيسان 2008، مسافة 33 عاماً.. وهي مسافة زمنية كافية لاكتشاف فداحة ما ارتكبت الأيدي وصولا إلى صيغة رجراجة لم يعد المس بها من المحرمات.
هل هي حرب باردة تلك التي نشهدها؟ وهل من الممكن تحييد المقاومة لتبقى عنوانا مضيئا وسط هذا الظلام العربي الكبير؟ في الذكرى الـ 33 لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، نستعيد بعضا على صفحات صريحة في كتب السيرة لعدد من صنّاع حرب 75. أول ما يلاحظه الباحث عن سير مكتوبة لمقاتلي حرب 75 هو ندرتها اللافتة بقوة.
ليست الصدفة. في مقدمة المترجم، الموقعة باسم دار الجديد، يرد أن كتاب: «أنا الضحية والجلاد أنا - سيرة جوزيف سعادة». وخلال كل هذه الأعوام «لم يخرج من اللبنانيين، مضرب المثل في السياحة بين اللغات، من يتبرع بنقل هذا الكتاب إلى لغته الأصلية». اهتم الفرنسيون والهولنديون بما في جعبة «سفاح السبت الأسود»، فيما المترجم إلى العربية يتساءل: «هل إن إرسال الحرب على معنى التجاوز عن أيامها ووقائعها، وتجريدها على معنى تعريتها من تفاصيلها وحيثياتها، هو شرط إجماع اللبنانيين على إدانتها؟».
نبدأ من قطب «محرز»: من هو جوزيف سعادة الذي عنون كتابه على اسم «أناه»: الضحية والجلاد»؟ هو الذي يقول إنه «صباح الإثنين، بعد السبت الأسود، في 6 يناير 1975، والذي كرّس تمزق بلد وجماعاته المسيحية والإسلامية... ذاع صيتي في بيروت الغربية تحت اسم السفاح.
الصحافة الغربية طالبت برأسَي جوزيف سعادة وبشير الجميل شرطاً سابقاً على أية تسوية أو مفاوضة. المكتب السياسي لحزب الكتائب أصدر بياناً أدان فيه بعنف تجاوزات السبت متعهداً بوضع كل إمكانيات الحزب في تصرف الدولة والسلطة القضائية للمساعدة على كشف المجرمين... هكذا بين ليلة وضحاها تحولت إلى مطلوب هيهات أن يدركه القانون. وهذا ما تناساه السياسيون أصحاب البيان المذكور.
تناسوا أن للقتلة في زمن الحروب حصانة وعصمة، كما تناسوا أن الحروب تضيق بعدالة البشر... كان آخر همّي أن يستفظع العالم أجمع ما كان خلال ذلك السبت الذي حيّر عدد ضحاياه الصحافيين (من 100 إلى 370 قتيلاً و500 مخطوف). لقد أصاب المدينة مس من الجنون وانتشرت في شرقها وغربها حواجز الخطف والخطف المضاد. كانت صور وسائل الإعلام، طوال يومين، هي نفسها تقريباً في البيروتين: مسلحون يرغمون ركاب السيارات على الترجل منها قبل معالجتهم ببضع طلقات ترديهم قتلى فيسقطون أرضاً سابحين في دمائهم...».
وحتى في نظر سفاح السبت الأسود (الكادر أدناه «أين منا الذئاب الكواسر؟»)، بدا استيعاب مواطنيه لكونهم في خضم حرب أهلية، في الأول وفي الآخر، ضمن نطاق العادي ما غيره: «عشية 13 نيسان 1975 كان لبنان ينزلق في دوامة من العنف. لم يشأ اللبنانيون مصارحة أنفسهم بحقيقة ما يجري فوصفوا ما ينساقون إليه بالقصص، وهكذا كان منهم لاحقاً يوم عم العنف بلدهم فوصفوا عموم العنف بالأحداث».
من أجل الآن وهنا، وقفة أيضاً عند كلام سعادة عن ال«ب. ج» (نسبة إلى الحرفين الأولين من اسم رئيس حزب الكتائب بيار الجميل). «كم فرقة تشبهها اليوم، وتستتر أو لا تستتر؟ في الكتاب أنهم «في الأصل مجموعة من الأصدقاء ذوي الميول الكتائبية. شكّلوا حوالي العام 1967 الفرقة الطلابية.
كانوا يتدربون أيام الأربعاء وفي نهاية كل أسبوع بغرض حماية البلد من الفلسطينيين. شوهد أعضاؤها لأول مرة في عرض لحزب الكتائب في العام 1974 ملثمين في بزات مرقطة خضراء وزرقاء، ولم يكن بخافٍ على أحد أن هؤلاء الشبان يتدربون تدريباً عنيفاً في الجبال وفي الأديرة التي كانت تتحول خلال العطل إلى ثكنات... ذات مساء جاءني أحد ال«ب. ج.» ليخبرني أن الحزب (الكتائب) قد اعترض سبيل عدد من مسلمي القرية البقاعية التي قتل فيها إيلي (ابنه وقتل بعده ابنه الثاني رولان).
نُمي إلى أن الموقوفين سوف يطلق سراحهم ليلاً. لم يخل بيت الكتائب من عناصر مستعدة لعصيان الأوامر ثأراً لشهيد.. وقع خيارنا على أحد المفرج عنهم. امتدت يمناي إلى وسطي واستلّت الكولت ذا المعدن الرصاصي، حدّقت بالمسدس لا بالرجل المكتّف أمامي. طلقة واحدة فجرت جمجمته فتهاوى. جررته إلى حيث الساعة (ساعة العبد). كانت هناك جثتان تتجيفان. صارت جثته الثالثة».
نحن الآن في أواخر العام 1988، عشية رحيل جوزف سعادة عن لبنان. يختم مولّفا الكتاب حديثهما الطويل مع الرجل: البلاد في حالة انقسام فعلي... يقول جوزيف: «أنا إنسان مؤمن جداً، لا تناقض بين إيماني العميق وبين انتقامي.
أعيش في بلد لا جيش فيه ولا شرطة ولا حكومة تحمي أبنائي، لا حسابات عندي ولا دَين علي أؤديه للبشر.
السؤال الأخير لا بد منه الآن: هل تشعر بالندم يا جوزيف؟.. يرمي برأسه إلى الوراء ويأخذ نفساً عميقاً: لم أشعر بالندم يوماً، ولا حتى خلال تلك الليالي التي كنت أحسني فيها منهاراً. ولو لزم الأمر أن أكرر ما فعلته لفعلته ثانية بتفنن أكبر».
تحقيق : رشا الأطرش - ينشر بترتيب خاص مع الزميلة «السفير» اللبنانية
