سؤال الساعة في ساحات لبنان اليوم: هل يشهد لبنان اليوم ظاهرة هجرة شبيهة بتلك التي حصلت في بداية الحرب الأهلية؟. لم تجر إحصاءات شاملة في جميع المناطق اللبنانية، لمعرفة أعداد الذين يتقدمون بطلبات للحصول على جوازات السفر (باسبور) أو يبدون الرغبة في السفر والهجرة. لكن مراكز الأمن العام ومكاتب المختارين، بالإضافة إلى تعليقات المواطنين، تدل على نتيجة مفادها أن أهل البلد لم يعودوا راغبين في العيش فيه.
وتظهر دراسة قديمة أعدها الدكتور رياض طبارة أن سنة الهجرة الكبرى من لبنان كانت بين عامي 1975 و1976، ثم عاد من المهاجرين بين عامي 1977 و1990 نحو 300 ألف شخص سافروا إلى البلدان القريبة، مثل: سوريا والأردن وقبرص. وتشير الدراسة إلى أن عدد السكان بعد عودتهم قارب المليونين و500 ألف شخص في منتصف العام 1977، بينما بلغ عدد المهاجرين بشكل دائم بين عامي 1975 و 1980 ما يقارب المئتين وستة وسبعين ألف لبناني، أي ما نسبته 40 في المئة من عدد سكان لبنان بعدما كان العدد في السنوات التي سبقت الحرب لا يتجاوز العشرة آلاف نسمة سنويا.
هذا في الماضي ولكن ماذا عن الحاضر؟
في شهر مارس الماضي بلغ عدد جوازات السفر الصادرة عن الأمن العام 32 ألف جواز، وهو أعلى رقم يسجل بعد عدوان يوليو العام 2006.
وتقول رئيسة دائرة جوازات السفر في المقر المركزي للمديرية العامة للأمن العام في بيروت العقيد بنان وهاب إن عدد جوازات السفر التي تم إجراؤها في شهر فبراير الماضي بلغ ما يقارب 28400 جواز في جميع الأراضي اللبنانية، ومن أول مارس حتى الخامس والعشرين منه بلغ عدد الجوازات ما يقارب الـ 32400 طلب جوازا سفر. فيما يقدر أحد الضباط العدد برمته خلال الشهر الماضي بنحو أربعين ألف جواز سفر جديد أو مُجدد.
وبعد أن طرحت وهاب السؤال لماذا يريدون السفر؟ رأت أنه من الطبيعي أن يزداد عدد طالبي الجوازات عندما تشتد الأزمات السياسية والمخاوف الأمنية، وترى العقيد بنان وهاب أن وتيرة اعداد الجوازات حافظت على ارتفاعها منذ حرب يوليو لكنها ترد السبب إلى تجديد المواطنين جوازاتهم، بينما تفيد معلومات مركز الأمن العام في بيروت الذي يجري فيه الحصول على جوازات السفر أن وتيرة المواطنين الوافدين إلى المركز تشبه أيام فصل الصيف حيث يحصل الناس على إجازاتهم السنوية ويرغبون بقضائها خارج لبنان.
ويوضح أحد مخاتير منطقة برج البراجنة بلال حرب القريب من مركز الأمن العام الخاص بالضاحية الجنوبية أن المركز استقبل خلال شهر مارس الماضي ما بين 200 إلى 300 طلب يومياً.
وفي طرابلس، ارتفعت نسبة طالبي الجوازات 25 في المئة وفي البقاع الغربي بلغت ضعفين، وفي بعلبك خمسة آلاف طلب خلال شهر واحد. وأظهر استطلاع للرأي أجراه مركز الدولية للمعلومات الذي يرأسه د. جواد عدرا في يناير الماضي أن الذين كانوا مترددين في الهجرة خلال شهر أغسطس 2006 أخذوا قرارهم بالهجرة، وذلك ما رفع بشكل كبير نسبة الراغبين فيها، مع العلم أن تلك الرغبة تتفاوت بين طائفة وبين أخرى.
تدحض هذه المعطيات ما حاول بعض السياسيين ووسائل الإعلام الترويج له من أن الرغبة بالهجرة تتركز في مناطق معينة خوفا من حرب إسرائيلية وشيكة، إنما تتعدد الأسباب من الخوف الأمني إلى الوضع الاقتصادي.. وصولاً إلى رفض الطبقة السياسية الحالية بمقلبيها الموالي والمعارض وما بينهما إذا أنوجد.
وهكذا دخل إلى عالم السفر في لبنان مصطلح جديد: جواز سفر احتياطي، ربما حصل شيء ما، وهو يدل إلى تعلم اللبنانيين من مآسيهم، بعد العوائق التي اعترضتهم إبان حصول أحداث كبرى، في إعداد بطاقة المرور نحو الخارج، يشمل ذلك النوع من الجوازات سكان العاصمة بيروت، مثلما يشمل المناطق البعيدة عنها.
وتظهر معطيات عدد من المختارين في أحياء العاصمة ارتفاع نسبة طالبي جوازات السفر، لكن مع تنوع الأسباب وتعددها. يقول مختار محلة رأس بيروت محي الدين شهاب إنه لا تكاد توجد عائلة في المنطقة إلا وتقدمت تباعا بطلبات للحصول على جوازات، وقد ارتفعت النسبة، خصوصا بعد أحداث منطقة مار مخايل في السابع والعشرين من يناير الماضي وأحداث رأس النبع في السادس عشر من فبراير.
أما مختار منطقة مينا الحصن باسم يموت فيقول إنه كان ينجز خلال أسبوع ما بين خمسة إلى ستة طلبات، فأصبح يعد ما بين 25 إلى 30 طلبا في الفترة نفسها. يفكر معظم هؤلاء بالانتقال في حال حصول حرب إلى سوريا ومصر والأردن، أما الذين يريدون السفر إلى الخليج فهم أولئك الذين يوجد لديهم أبناء أو أقارب هناك أو فئة المهندسين التي يزداد الطلب عليها في الخليج في ضوء الفورة النفطية.
ويشير إلى ظاهرة إقبال فئة الشباب على جوازات السفر بحثا عن فرص عمل في الخارج، ويعتبر أن المخيف في هجرة الشباب «هو إفراغ البلد من المتعلمين وتركه للشبيحة والزعران».
ويوضح أحد المخاتير في حارة حريك (الضاحية الجنوبية)، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن عدد طالبي جوازات السفر كان مرتفعا جدا في بداية شهر مارس وزاد بنسبة تقارب الـ 40 في المئة عن الأيام السابقة، فاضطر إلى إعداد ما يقارب الـ 100 طلب أسبوعياً.
ينشر بترتيب خاص مع الزميلة «السفير» اللبنانية
40 % من الموارنة راغبون فى الهجرة
تظهر نتائج الاستطلاع الذي أعده مؤخرا مركز الدولية للمعلومات، وهو موزع حسب الطوائف والمذاهب أن 40 في المئة من الموارنة الذين شملهم الاستطلاع يرغبون بالهجرة، و2 .41 في المئة من الارثوذكس، و45 في المئة من السنة، و1 .31 من الشيعة و29 في المئة من الدروز يرغبون أيضا بالهجرة.
أما نتائج الاستطلاع الذي جرى في اغسطس العام 2006 فجاءت كالتالي:
ابدى 18 في المئة من الموارنة الرغبة بالهجرة، و25 في المئة من الارثوذكس، و7 .9 من الكاثوليك، و8 .19 من السنة، 3 .7 في المئة من الشيعة، و8 .17 من الدروز. وظهر من المقارنة بين نتائج الاستطلاعين أن المترددين لدى الموارنة والشيعة سابقا حسموا امرهم وقرروا الهجرة، ولدى الارثوذكس قرر نحو نصف المترددين البقاء في لبنان، ولدى الكاثوليك قرر جميع المترددين الهجرة، بينما قرر القسم الاكبر من السنة المترددين المغادرة، ولدى الدروز بدل نصف الساعين للهجرة خيارهم وقرروا البقاء في لبنان!
تحقيق ـ زينب ياغي
