تضع سوريا في حسبانها بأنها مستهدفة في المناورات التي يجريها جيش الاحتلال الإسرائيلي في شمال فلسطين المحتلة، ولذلك فهي حرب افتراضية يمكن أن تتحول إلى حقيقية في أي لحظة، حسب اعتقاد المراقبين في العاصمة دمشق.
ورغم تأكيد مسؤولي السياسة الخارجية السوريين على أن السلام خيار استراتيجي بالنسبة لسوريا، إلا أن ذلك لم يمنعهم من الحديث عن استعدادات وخطط لمواجهة أي طارئ يأتي من جهة إسرائيل.
وقال نائب وزير الخارجية السوري فيصل مقداد إن سوريا ستكون جاهزة لمواجهة جميع الاحتمالات حالما تنتهي «لغة التفاهم» مع إسرائيل بشأن عملية السلام.
وأضاف «إن الإسرائيليين لا يدركون بأننا على علم بأن هناك أسلوباً محدداً لكل حرب، وأنه كلما حاول الإسرائيليون خلق مثل هذه الأجواء من أجل جني منافع نتيجة الإخفاقات التي منوا بها أثناء حرب لبنان الثانية في شهر يوليو الماضي، لا يسع سوريا أن تقف متفرجة وإنها ستضع الخطط اللازمة استباقا لأي نزاع».
وحذر مقداد من أنه إذا كانت سوريا هي المستهدفة من كل ذلك، فليعلموا أننا نتابع هذه المناورات ونحن نعمل على تطوير قدراتنا وخططنا لمواجهة المناورات الإسرائيلية.
وقد لفت نظر المراقبين أن المناورات تتجاوز إلى حد بعيد كل الافتراضات التي ترسمها إسرائيل حول «احتمال الاعتداء» عليها.
ويرى المحلل السياسي مازن بلال أن أخطر ما يحدث اليوم أن هناك أزمة في عمق «إسرائيل» مما يجعلها قادرة على ممارسة حلول «جذرية» بالنسبة لها، فتأتي مناوراتها كأنها «حرب افتراضية» لا نعرف متى تتحول إلى حقيقة.
ويلاحظ بلال أن الحديث اليوم لم يعد حول سحب المستوطنات نحو الحدود لتصبح مناطق للدعم اللوجستي أو حتى للدفاع الذاتي (كما كان الأمر سابقاً)، إنما باتت مراكز مستهدفة وهو ما توضحه المناورات الأخيرة.
ولذلك ـ يتابع بلال ـ فإن الصورة اليوم ل«إيحاءات» الحرب القادمة من إسرائيل تحمل عدداً من التفاصيل التي يجب أن نتوقف عندها، على الأخص أن الجانب «المدني» من المناورات هو الأكثر سطوعا داخل الإعلام الغربي:
أولا: من الصعب النظر إلى إسرائيل بنفس الصورة التي ظهرت عليها خلال عقودها الثلاثة الأولى، لأن المستوطنات التي ظهرت بعد الاحتلال عام 1948، أو بعد يونيو 1967 كانت مجال تباهي بالنسبة للدولة الناشئة على شاكلة المستعمرات، بينما اليوم يبدو الاستيطان الذي يتوسع لا يحمل نفس الثقافة السابقة، فهو متأرجح ما بين الإحساس ب«التفوق العنصري» على الفلسطينيين، و«الشعور بالخوف» نتيجة «البيئة الإستراتيجية» التي تشكلت ما بين الانتفاضة الأولى وحرب يوليو.
ثانيا: يقابل الضياع في «ثقافة الاستيطان» عدم وضوح النظر إلى المستوطنين أنفسهم، لأنهم اليوم ليسوا مدنيين وهم أيضا من غير العسكريين، فسكان هذه المستعمرات يحملون السلاح ويطلقون النار على الفلسطينيين لذلك أصبحوا أهدافا عسكرية، لكن إسرائيل تريد إقناع نفسها والعالم أنهم يحتاجون لخطة طوارئ مدنية.
بهذه الصورة فإن «المناورات المدنية» تكشف إلى أي حد يتم تكسير الحدود ما بين المدني والعسكري في السياسة الإسرائيلية، وهو ما ينعكس مباشرة على آلية تعاملها مع محيطها فتعتبر كل الأهداف مشروعة بما فيها قتل الأطفال دون تحقيق أي مكسب عسكري.
دمشق ـ تيسير أحمد