إذا كانت تأثيرات سقوط بغداد تبدو بينة في مختلف مجالات الحياة العراقية فإن تأثيرها يبدو أوضح ما يكون على صعيد العلاقات بين العراقيين أنفسهم، على النحو الذي يدعو البعض إلى التأكيد على أن الحرب في النهاية إنما كان التدشين الحقيقي لأزمة طائفية بين أبناء الشعب العراقي الواحد، الأمر الذي تحاول الكثير من الجهات الأميركية نفيه في محاولة لتبرير الانقسام الحاصل حاليا واستبعاد كونه صناعة أميركية.

ونجد صدى من هذه الرؤية فيما أشارت إليه مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة في إدارة كلينتون في كتابها الجديد «مذكرة إلى الرئيس المنتخب»، اذ تعرب عن استغرابها من كون العالم الغربي ما زال مؤمنا أن هناك بلدا اسمه العراق وجميع سكانه عراقيون، في حين أن أصحاب البلد أنفسهم، حسبما تذهب، مختلفون في نظرتهم إلى كثير من الأمور، وأهواؤهم شتى، على النحو الذي انتهت معه إلى ترديد ما يبدو، هدفا أميركيا بحتا يتمثل في تقسيم العراق إلى ثلاث كونفيدراليات، معتبرة أن الطريقة الوحيدة لإبقاء العراق دولة واحدة تقسيمه ليس رسميا أو علنا بل بما أمكن كي يتسنى للشيعة العيش في الجنوب، والأكراد في الشمال، والسنة بينهما، وذلك بغض النظر عن الانتقادات الكبيرة التي توجهها إلى إدارة بوش في العراق في مرحلة ما بعد الغزو.

وتكشف إطلالة شاملة على مختلف المواقف التي تتناول ما يجري في العراق حاليا، فضلا عن المتابعة المتأنية لتطورات الوضع هناك، عن أن الطائفية أصبحت حقيقة أساسية تفرض نفسها هناك، بغض النظر عن توصيفها ومحاولات التمييز ما بين طائفية سياسية وأخرى دينية. غير أن الإجماع يكاد يسود على أن الوضع الطائفي قد تغير كثيرا على نحو سلبي في ظل ما بعد الاحتلال، عما كان عليه الوضع قبله في ظل حكم صدام، وإن كان ذلك لا يمكن أن يحمل بالطبع أي شبهة تأييد لنظام هذا الأخير.

وفي ذلك يذهب أحد رموز الحكم العراقي في مرحلة ما بعد الاحتلال ذاتها، وهو إياد علاوي إلى التأكيد على أن المحسوبية الطائفية أصبحت أمرا شائعا وتقليدا في حكم البلاد في ظل حكم رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي، وهو ما يحمل اتهاما واضحا للحكومة بالطائفية، وهو اتهام تؤكده الكثير من الكتابات العراقية ذاتها بالإشارة إلى ما تعتبره مسارعة من قبل سلطات الاحتلال الأميركية إلى توزيع مهام الحكم في البلاد على أساس طائفي في العراق لمزيد من تأجيج النعرات الطائفية.

ويعزز هذا الطرح لعلاوي ما يشير إليه البعض من أن تشكيل مجلس الحكم في العراق منتصف يوليو 2003 على أساس عرقي وطائفي فأسس أولى لبنات الطائفية السياسية في العراق. وهو ما أكدته الانتخابات الأولى والثانية التي جرت في يناير وديسمبر 2005. وليس هنا مجال للقول بأن هذه الانتخابات تعد بداية للديمقراطية العراقية حيث أنها جرت على أساس طائفي وليس أدل على ذلك من دعوة المرجع الشيعي على السيستاني إلى نمط من التصويت أساسه دعم المرشحين الشيعة من ذوي الاتجاهات الدينية.

بعيدا عن ذلك، فإن الوضع في العراق يشهد بالفعل العديد من المظاهر على الاحتقان الطائفي إن لم نقل الحرب الطائفية وتتمثل في صدور فتاوى تجيز استهداف المدنيين على أساس طائفي إلى الحد الذي وصل تبني بعض الفصائل عمليات عسكرية استهدفت تجمعات مدنية ودور عبادة وعمليات اغتيال طالت رموزا دينية وعقائدية خاصة بطائفة معينة.

وهى مظاهر يمكن التأكيد على أنها طارئة على الواقع العراقي في ضوء حقيقة تشابك التوزيع الطائفي في العراق بين السنة والشيعة والذي يشمل جميع أنحاء العراق، وهو الوضع الذي تجسده خير تمثيل بغداد العاصمة التي تعتبر من وجهة نظر الكثيرين نموذجا متفردا لتعايش مختلف الأطياف والأعراق والديانات بها.

ويمكن للمرء تفهم طبيعة التحول الحاصل في العراق على الصعيد الطائفي في ضوء المقارنة بما كان عليه الوضع من قبل من تداخل وانتشار للطوائف على نحو يجعل من الوطن نسيجا واحدا بحق وهو ما كان ينعكس في تداخل الانتماءات القبلية والطائفية، حيث لم يكن الانتماء إلى طائفة معينة يقف عائقا أمام الانتماء القبلي والعشائري ولم يؤثر على هذا الارتباط.

كما تتمثل أبرز مظاهر الاتجاهات الطائفية في عراق ما بعد الاحتلال في تراجع الظاهرة التي كانت منتشرة على نحو كبير بالتزاوج بين أبناء السنة والشيعة الأمر الذي كان بارزا هناك على نحو كبير.

دبي ـ مصطفى عبدالرازق