لا أحد يستطيع وصف مشاعره المتضاربة في الساعات الاولى المضطربة من سقوط بغداد يوم 9 ابريل قبل خمس سنوات، فقد كان هناك مزيج غريب من الارتياح لما ذهب ، والغضب أو القلق لما هو آت، الناس الذين خرجوا الى الشوارع أقل بكثير من الذين آثروا البقاء في بيوتهم مترقبين ما ستؤول اليه الامور، أو الذين انشغلوا في امور اخرى.
من الذين صادف وجودهم، قرب ساحة الفردوس، التي كان ينتصب وسطها تمثال لصدام حسين، عبد الستار جودي (صاحب محل لبيع الثلج) الذي قال «هذه المنطقة اعرفها جيدا، واعرف سكانها ومرتاديها، كون محل عملي لا يبعد اكثر من عشرين مترا عن ساحة الفردوس، ومعظم المنطقة تتعامل معي ..في ذلك اليوم تقدم عشرات الاشخاص من تمثال صدام، وهم يهتفون ضده.. كان بعضهم ممن يتواجدون باستمرار في هذا المكان، لكن الغالبية هم من انحاء متفرقة من بغداد، وربما من الذين اتوا من الخارج».
واضاف «كنت اراقب المشهد فقط، لم اكن (مع) ولا (ضد)، فأنا رجل لا علاقة لي بالسياسة، ولا اي شيء يمت لها بصلة ، ولكنني اسغربت للموقف، فالذين امامي ينتقمون من تمثال، ويرمونه بالحجارة والانقاض، بعد ان فاتهم الانتقام من صاحبه، وعندما جلبوا حبلا، ربطوه في عنقه، وقاموا بسحبه، لم يسقط التمثال، فاعانتهم على ذلك دبابة اميركية ..عندها فكرت.. إذا كانوا قد عجزوا عن اسقاط تمثال، الا بمعونة دبابة اميركية، فكيف كانوا يريدون اسقاط صاحب ذلك التمثال ونظامه بانفسهم؟ وكانت هذه اللحظات مؤشر تحول في تفكيري».
في نفس المكان، تواجد الحاج حسن الفلاحي (صاحب محل)، قال «كنت موظفا في وزارة التجارة، واحالني نظام صدام على التقاعد، لأنني كنت (مشاكسا)، كما يقولون ، وكنت كثير الانتقاد للمسؤولين، الا انني لم اكن اتصور في يوم من الايام ان يقدم اناس يقولون انهم (عراقيون) على مدّ ايديهم الى الاجنبي، وبهذا الشكل السافر، لاسقاط بلدهم، ولكي يتمكنوا هم من السيطرة على الحكم».
واضاف «في تلك اللحظات برز، الى حد ما، الخلاف بين طرفين .. فعندما اسقطت الدبابة الاميركية تمثال صدام في ساحة الفردوس، صعد اشخاص الى قاعدة التمثال ، ورفعوا عليها العلم الاميركي .. لم الحظ آنذاك - في وسط الزحام - ان كان الذين رفعوا العلم الاميركي، عراقيون ام اميركان .. ولكن بدا لي ان ذلك كان مرتبا مسبقا، وعندها بادر عراقيون الى انزال العلم الاميركي، ورفع علم العراق مكانه .. هذه مسألة رمزية .. لأن الذين تولوا الحكم بعد صدام هم الاميركان».
ولاحظ الحاج حسن، ان هناك شخصا عرف بانه من «الهتّافين» لصدام، قام بخلع حذائه، ليهوي به ضربا على التمثال، و«يقال ان هذا الشخص استولى على الرأس البرونزي لصدام، واختفى منذ ذلك الحين».
ومن جانبه قال احد المراسلين الصحافيين، ان الصحيفة التي كان يعمل لحسابها في لندن بعثت له صورة ذلك الشخص، وطلبت منه تعميمها والبحث عنه، وعن رأس التمثال، الذي خصصت احدى الجهات «الدولية» مكافأة مالية كبيرة لمن يدلي بمعلومات تؤدي للوصول اليه.
وتحدث الكاتب مظفر ادهم عن «ساعات السقوط» قائلا، «ربما هذه الدبابة التي اسقطت التمثال هي التي رأيتها قبل يومين، عندما مرت، مع دبابات اخرى قرب منطقتنا، بسرعة جنونية، وهي تطلق النار على كل الاتجاهات، لكي تحظى بموطئ قدم في القصر الجمهوري .. وفي ذلك المرور السريع للدبابات، من اليوسفية الى القصر الجمهوري، سقط حوالي سبعة الآف قتيل وجريح من العراقيين المدنيين، لأن الدبابات كانت تحصد كل ما في طريقها، ومن في طريقها» .
واضاف «اجبرت في ذلك اليوم على الانتقال، مع عائلتي، من خلال الطرق الملتوية ، لايجاد (ملاذ آمن)، غير المكان الذي كنت فيه، قرب الطريق المؤدي الى المطار من جهة والى القصر الجمهوري من جهة اخرى .. وكان الملاذ الآمن هو احد المستشفيات قرب ساحة الفردوس .. لم اكن استطيع ترك عائلتي في ذلك المستشفى ، والخروج الى الساحة، لأن ما يحدث خلف الساحة كان اخطر بكثير».
ويتابع «كنت اشاهدهم من شباك الغرفة في المستشفى، وهم يسقطون التمثال ، يتظاهرون باعداد لا تكاد تعادل شيئا امام الزحف الذي انطلق بعد سويعات ، لنهب مؤسسات الدولة .. بما فيها المستشفيات .. وليس معروفا من اين اتى كل هؤلاء السرّاق ، الذين انزلوا حتى المرضى من اسرتهم ليغنموها.. بعضهم انتزعوا حتى انابيب التغذية البلاستيكية من المرضى ..
كان السرّاق يمرون من امامي، وهم يحملون كل ما تقع عليه ايديهم، وما يمكن ان تحمله العربات التي معهم .. بل وما تحمله الاسرّة المتحركة التي كانت في المستشفيات ، لذا كان من الاسلم مغادرة المكان، والعودة الى البيت للحفاظ عليه من النهب».
بغداد ـ عراق احمد

