الرابع من ابريل عام 1949، يوم فاصل في تاريخ الحرب الباردة. بل ان معظم من رصدوا فصول تلك الحرب، أكدوا على أن ذلك اليوم هو بداية انطلاق شرارتها. فهو يوم ميلاد حلف شمال الاطلسي «الناتو»، الذي تأسس في باديء الأمرمن 12 دولة على رأسها الولايات المتحدة. والدول الاخرى التي شاركت في قيامه والتوقيع على معاهدته في واشنطن هي: كندا، بلجيكا، الدنمارك، بريطانيا، ايسلندا، ايطاليا، لوسكمبورج، هولندا، النرويج ، البرتغال، وفرنسا ( التي سحبت قيادتها العسكرية من الحلف في الستينات خلال حكم الرئيس ديغول).

وخلال السنوات الخمس التالية لتأسيسه، انضمت الى «ناتو» اليونان وتركيا وألمانيا الغربية. وكان الغرض من الحلف هو تشكيل تحالف عسكري موحد في مواجهة الاتحاد السوفييتي وكتلته الشرقية، تحت ذريعة التصدي للتهديد والمد الشيوعي في اوروبا. وتقول لائحته أن هدفه الرئيسي هو «حماية الحرية والميراث والحضارة العامة» للدول الأعضاء عن طريق تشجيع الاستقرار والرفاهية في منطقة شمال الأطلسي. كما اتفق الأعضاء على أن أي هجوم مسلح ضد إحدى الدول الأعضاء سيعتبر هجوما ضد جميع الدول، وعلى أنهم سيساعدون بعضهم البعض.

ولم يكن كل الاميركيين في ذلك الوقت راضون على قيام «ناتو»، ومنهم من كانوا يعرفون باسم «الانعزاليين»، وعلى رأسهم السناتور روبرت تافت ،الذي وصف معاهدة ناتو بأنها «ليست برنامج سلام ، بل برنامج حرب». وكان طبيعيا ان يكون رد الفعل السوفييتي على تأسيس هذا التحالف العسكري، انشاء تحالف عسكري تحت قيادة موسكو، وهو حلف وارسو الذي تأسس عام 1955، وسقط مع انهيار الاتحاد السوفييتي وذوبان شطري أوروبا في أعقاب سقوط حائط برلين.

«الناتو»الآن في زمن القطب الأوحد، صار عدد أعضائه 26 دولة بعدما انضمت اليه نفس الدول التي كانت عضوا في حلف وارسو في زمن الحرب الباردة. بل صارت قواعده على مقربة من الاراضي الروسية.

ويمكن القول، أنه منذ نشأته كقوة عسكرية عظمى تتوافر لديها أفضل آلات الحرب الحديثة، وعلى مدى 45 عاما متواصلة، وحلف شمال الاطلسي (ناتو) يلتزم الانضباط والتريث في مواجهة الأحداث، مكتفيا بمناوراته التي ظل يستعرض من خلالها - أمام الاتحاد السوفييتي وحلفه الراحل «وارسو» - قواته ومعداته فوق أراضي أوروبا الغربية.

ولكن منذ الثامن والعشرين من فبراير 1994 -أي بعد سنوات قليلة من اخماد نيران الحرب الباردة التي تأسس الحلف بسببها - وقوات «ناتو» تشارك - ان لم تكن متورطة - في عمليات حربية فرضت عليه من قبل زعيم الحلف أو القطب الأوحد - الولايات المتحدة- تحت ذريعة حفظ السلام أو محاربة الارهاب. أول عمل عسكري لناتو، تمثل في ضربة جوية نفذتها الطائرات الأميركية في سماء البوسنة في 28 فبراير 1994 ردا على انتهاك الصرب المنطقة الجوية المحظورة، واسفرت الضربة عن اسقاط أربع طائرات صربية.

كان الحلف وقتها قد فوض نفسه - من خلال المهيمنين عليه- بالمشاركة في حفظ السلام في البوسنة والهرسك. ومن يومها وآلة الحرب التابعة ل«الناتو»تعمل بلا توقف تحت ذريعة حفظ السلام ومكافحة الارهاب. ويكثف «ناتو» جهوده الآن من خلال تبادل أفضل للمعلومات الاستخباراتية ما بين دول الحلف وتوفير منظومة الإنذار المبكر والمراقبة المحمولة جوا.

كما يقوم بتكثيف التعاون مع شركاء من خارج الحلف وخاصة من المنظمات الدولية والإقليمية، مثل الاتحاد الأوروبي. وتوفر القيادة العسكرية الاميركية المشتركة في أوروبا دعمًا لعملية الناتو المسماة «المساعي النشطة» للقيام بعمليات مراقبة بحرية واعتراض في عرض البحر ونقل بحري ضد الأنشطة الإرهابية المشبوهة في البحر المتوسط.

وعلى رأس نشاطات الحلف الآن، قيادته للقوة الدولية للمساعدة على الاستقرار (إيساف) افي أفغانستان. وهناك الآن أزمة داخل ناتو. اذ قال وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس إن الحلف في خطر، مشيرا بذلك الى الانقسامات التي أوجدتها هجمات حركة طالبان المتصاعدة على قوات الناتو، مما دفع أعضاء الحلف لرفض إرسال قوات إضافية إلى أفغانستان.

ويقول غيتس «لا يتوجب علينا أن نصبح تحالفًا من شقين بين أولئك الراغبين في القتال وآخرين رافضين». وتشكل مهمة القوات الدولية في أفغانستان إحدى نقاط الخلاف التي لا تحصى بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين في الحلف الأطلسي. ويرى وزير الدفاع الأميركي إن تحقيق النجاح في أفغانستان، من أصعب التحديات التي تواجه الحلف.