تسعى إسرائيل، بحسب مصادرها، إلى جس نبض سوريا بشأن استئناف مفاوضات السلام بين الجانبين. فقد ذكرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية يوم الأحد الماضي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت بعث خلال العام الماضي بنحو 20 رسالة إلى الرئيس السوري بشار الأسد، تتعلق بإمكانية استئناف المفاوضات بين الطرفين.
ونقلت الصحيفة عن مصدرها الذي نقل إليها هذه المعلومة، وهو وزير إسرائيلي مرموق قوله، ان هدف أولمرت من تلك الرسائل هو التعرف على نوايا سوريا تجاه العملية السلمية. وجاءت الردود السورية غير متناسبة مع التوقعات الإسرائيلية، بل وأيضا غير مرضية. وبناء على ذلك، يرى أولمرت أن هذا الوقت لم يعد مناسبا لبدء مفاوضات مع سوريا.
رسائل أولمرت إلى الرئيس الأسد، تزامن توقيتها، مع الإعلان عن الضربة العسكرية الإسرائيلية التي وجهتها إسرائيل في سبتمبر الماضي والتي استهدفت موقعا في شرق سوريا، ربما كان يتعلق ببرنامج نووي أو برنامج صاروخي أو أسلحة واردة من إيران، أو قد يكون غير ذلك.
على أي الأحوال، فإن واحدة من تلك الرسائل التي بعث بها أولمرت إلى الرئيس الأسد ـ خلال العام الماضي ـ كانت قبل الإعلان عن الضربة، وتشير إلى أنه ليس لدى إسرائيل نوايا عدوانية تجاه سوريا.
وفي الحقيقة، أنه بعد شهور من تنامي التوتر والتأمل الذي كان يتعلق باحتمال تكرار الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان عام 2006، وقبل الضربة التي وجهت إلى سوريا العام الماضي، أرسلت إسرائيل إشارة بأنها مصممة على أن الحرب مع سوريا غير واردة، لأن الجيش السوري كان قد قلل استعداده للحرب، أو أن ذلك ما يريد أن يقوله الإسرائيليون.
وانتقد المسؤولون السوريون بعنف إشارة إسرائيل بشأن عدم احتمال شن الحرب على بلادهم والتي جاءت قبل ضربة سبتمبر الماضي، واعتبروها خدعة إسرائيلية استهدفت أن تخفض سوريا من درجة استعداداتها العسكرية.
لقد أبلغ الوزير الإسرائيلي المرموق ـ الذي لم يكشف عن اسمه ـ صحيفة «هآرتس» بأن غالبية رسائل أولمرت إلى الرئيس الأسد تمت من خلال رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، إلى جانب شخصيات من «الكونغرس» الأميركي ومسؤولين أوروبيين، وكانت تتعلق بإمكانية إعداد أجندة بشأن ترتيب محادثات بين البلدين، وما إذا كان الرئيس الأسد على استعداد أن تشمل هذه المحادثات روابط بلاده بإيران وحزب الله والمنظمات الفلسطينية المسلحة.
لقد تجدد الحديث في الوقت الحالي عن المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، بعد أن سئل رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت خلال مؤتمر صحافي، عما إذا كان على استعداد للجلوس مع السوريين. فقد أجاب أولمرت بأنه على استعداد لصنع سلام مع سوريا، وأنه يأمل بأن يبدي السوريون استعدادهم لصنع السلام مع إسرائيل، وبأن تسمح الظروف بذلك.
ثم قال موجها رده لمن سأله من الصحافيين «ذلك لا يعني أنه عندما نجلس سويا فسوف تشاهدنا». من جانبها، أكدت سوريا ـ كما أشارت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية ـ وجود قنوات اتصال سرية مع إسرائيل من خلال تركيا.
وفي حديثها لصحيفة كويتية الأحد الماضي، أنكرت الناطقة باسم الخارجية السورية الدكتورة بشرى كنفاني وجود مفاوضات سرية بين سوريا وإسرائيل، إلا أنها أكدت أن تركيا تمثل قناة اتصال واستماع لكلا الجانبين، وأضافت «نحن في سوريا لا نُضع فرصة من أجل صنع السلام. ذلك هو خيارنا المشروط بأن يكون سلاما عادلا وقائما على انسحاب إسرائيل إلى حدود الرابع من يونيو 1967».
لقد تسربت أنباء في الربيع الماضي عن اتصالات شبه رسمية بين الجانبين. الجانب السوري فيها هو دكتور إبراهيم سليمان وهو أميركي من أصل سوري، يعيش منذ سنوات طويلة في الولايات المتحدة. ومن الجانب الإسرائيلي د. ألون ليل (المدير السابق بالخارجية الإسرائيلية).
ووافق سليمان في ابريل العام الماضي على دعوة من رئيسة حزب ميرتس الإسرائيلي اليساري «زهافا جالون» من أجل أن ينقل إلى لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست الإسرائيلي وجهة نظر سوريا حول العلاقات مع إسرائيل. وبعدها اتصل سليمان بدمشق من خلال اللواء السوري محمد ناصيف، الذي بدوره نقل تفاصيل ما قاله سليمان عن الاتصالات إلى الرئيس الأسد.
كما جرت وساطة أوروبية بين الجانبين من خلال السفير بالخارجية السويسرية نيكولاس لانج الذي قام بمحاولات دبلوماسية مكوكية بالنيابة عن وزيرة الخارجية السويسرية ميشيل كالمي راي.
وتفيد «هآرتس» بأن سليمان كان المبعوث السري في الاتصال مع الوسيط السويسري. ويقول الكاتب في الصحيفة الاسرائيلية عكيفا إلدار، ان هناك اتجاها متناقضا من جانب السوريين في ما يتعلق بالاتصالات مع إسرائيل: فمن جانب، تفاخر الرئيس الأسد بأن هناك اتصالات غير مباشرة بين إسرائيليين وسوريين يعيشون في الغرب في محاولة لإجراء ترتيبات دبلوماسية بين الجانبين. ومن جانب آخر، ومنذ زيارته للقدس (المحتلة)، أصبح الأميركي السوري إبراهيم سليمان شخصا غير مرغوب فيه في دمشق. وزميله السويسري هو أيضا غير مرحب به في سوريا.
ولكن، في نهاية مايو الماضي، زار سليمان العاصمة السويسرية برن والتقى برئيسة سويسرا ووزيرة خارجيتها ميشيل كالمي راي. واتفقا على أن الوقت مناسب لزيارة دمشق معا لتهنئة الرئيس الأسد على إعادة انتخابه لفترة رئاسة ثانية. وفي نفس الوقت محاولة اقناعه بإعادة فتح القناة التي كانت أغلقت من قبل في أعقاب مهمة المبعوث السويسري الخاص في ذلك الوقت نيكولاس لانج، الذي عاد خالي الوفاض بعد اجتماعه بمستشار أولمرت (يورام توربوفيتس).
وأبلغ سليمان رئيس مكتب وزير الخارجية السوري من برن، بأن الرئيسة السويسرية ترغب في زيارة دمشق في غضون أسبوعين وانه في صحبتها. ويزعم سليمان أن الرد عليه كان بأن الوقت غير مناسب للزيارة. المصادر الإسرائيلية في نفس الوقت، كشفت عن أن الولايات المتحدة ضغطت على إسرائيل لوقف أي اتصال مع سوريا، والذريعة هي التركيز على المفاوضات مع الفلسطينيين.
القدس المحتلة ـ ماريان هوك
