تزداد يوماً بعد يوم التسريبات في الصحافة الإسرائيلية عن وجود اتصالات بين سوريا وإسرائيل، عبر وسطاء متعددين أهمهم رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان.

ورغم النفي السوري المتكرر لأي لقاءات أو محادثات سرية كان تم الحديث عنها مؤخراً بين الجانبين، واقتصار الأمر على بعض قنوات الوساطة، إلا أن التجربة السورية منذ انطلاق مؤتمر مدريد للسلام، كشفت في العديد من الحالات عن حدوث اتصالات سرية بعيدة عن أعين الإعلام، كانت تمهد لجولات التفاوض التي فشلت في إنجاز اتفاقية السلام بين الجانبين، وهو ما يبقي الباب مفتوحاً لاحتمال استئناف المفاوضات في أي لحظة.

لكن ثمة العديد من المعطيات التي لا تدفع حتى الآن للاعتقاد بإمكانية حدوث ذلك، خصوصاً بعد القمة العربية الأخيرة في دمشق، والتلويح السوري بسحب مبادرة السلام، وإعلان إسرائيل أن الوقت لم يعد مناسباً لبدء المفاوضات بعد سبعة عشر عاماً على بدئها.

مكافأة لم تكتمل

في العام 1991 دخل الصراع العربي الإسرائيلي مرحلة جديد عبر بوابة «مؤتمر مدريد» للسلام، الذي أطلق كنتيجة لبعض التغيرات والظروف التي مهدت لها حرب الخليج الثانية، حيث جلست الوفود العربية وجهاً لوجه وللمرة الأولى مع الجانب الإسرائيلي بهدف التوصل إلى اتفاقيات سلام تضع حداً للصراع الممتد منذ العام 1948.

شكل احتلال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين للكويت في الثاني من أغسطس 1990، فرصة كبيرة للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، ليصبح خلال أشهر قليلة مركزاً للتحولات الإقليمية المقبلة، وكوفئ على اشتراكه في حرب الخليج بالحصول على دعم لجهوده في لبنان، وتعهد من الرئيس الأميركي جورج بوش الأب بضرورة إيجاد حل شامل للصراع العربي - الإسرائيلي، فكان مؤتمر مدريد للسلام الفرصة الأولى لجلوس الأطراف المتنازعة معاً.

مضى العام الأول من المؤتمر من دون أي تقدم يذكر على اي من المسارات، نتيجة التعنت الإسرائيلي الشديد من قبل حكومة الليكود الإسرائيلية برئاسة إسحق شامير.

إلا أن انتخابات عام 1992 التي أوصلت حزب العمل برئاسة إسحاق رابين إلى الحكومة سنة 1992، حملت بوادر انفراجات كبيرة على المسار السوري كما على الفلسطيني.

تم التوصل في تلك الفترة وبعد تسلم الرئيس الأميركي بيل كلينتون سدة الرئاسة، إلى صيغة لاستئناف المفاوضات على اساس ما سيعرف لاحقاً بـ «الوديعة» التي تنص على استعداد رابين للانسحاب إلى خطوط الرابع من يونيو، فيما لو ابدى الاسد تفهماً لحاجات إسرائيل في القضايا الأخرى.

لكن رابين الذي كان توصل عبر قناة سرية في أوسلو إلى اتفاق سلام على المسار الفلسطيني، استخدم تساؤلات الرئيس السوري عن بعض التفصيلات في يتعلق بتحديد خط الرابع من يونيو، مبرراً للمضي قدماً في اتفاق أوسلو الذي كان أصبح ناجزاً في تلك الفترة وتم التوقيع فيها في 13 سبتمبر 1993.

وعلى الرغم من حنق الأسد نتيجة تلاعب رابين بالمسارات السوري والفلسطيني ولاحقاً الأردني، فإنه قدم العديد من التسهيلات فيما بعد لاستئناف المفاوضات، وخصوصاً بعدما أكد له الرئيس الأميركي خلال لقائه في دمشق التزام خط الرابع من يونيو، وهو ما أدى في 7 مايو 1995 إلى موافقة سوريا على «ورقة الترتيبات الأمنية» المقدمة من الولايات المتحدة. لكن الخلافات لم تحسم وظلت قائمة بشأن كثير من المسائل الخاصة بالترتيبات الأمنية وطبيعة السلام، وكانت هذه هي الفرصة الأولى التي تذهب أدراج الرياح.

وبعد إغتيال رئيس الحكومة الإسرائيلية اسحاق رابين على يد متطرف إسرائيلي، شهد المسار السوري فرصة ثانية ضائعة لا تقل أهمية عما سبقها، تمثلت في التزام شمعون بيريز ب«وديعة رابين» بعدما اطلع عليها، واستؤنفت المفاوضات في واي بلانتيشن في ثلاث جولات، توقفت نتيجة الخلاف بشأن الترتيبات الامنية، لتستأنف من جديد في 28 فبراير1996، وهي الجولة التي كان سبقها إعلان بيريز إجراء انتخابات مبكرة، وتخللتها ثلاث عمليات إنتحارية في القدس وتل أبيب رداً على اغتيال يحيى عياش، أدت إلى انسحاب الوفد الإسرائيلي من المفاوضات بذريعة عدم الإدانة السورية الصريحة لهذه العمليات.

وهو التوقف الذي سيستمر لبضعة أعوام نتيجة تورط بيريز في عملية «عناقيد الغضب» رداً على أعمال المقاومة اللبنانية، وخروج الأسد منتصراً بتوقيع «تفاهم ابريل» الذي شرعن عمليات المقاومة وضاعفها، ثم عودة حزب الليكود إلى رئاسة الحكومة بزعامة بنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المبكرة الدي دعي إليها.

وخلال تولي نتنياهو رئاسة الوزارة تواصلت المناقشات عبر قناة سرية ضمت رجل أعمال أميركي وزعيم يهودي بارز هو، رون لاودر. وتعثرت تلك المحادثات حول مدى الانسحاب الإسرائيلي الإقليمي بشكل رئيسي.

سنة 1999 وبعد عودة حزب العمل بزعامة إيهود باراك لتسلم رئاسة الحكومة، طغى تفاؤل كبير على جميع الأطراف بإمكانية باستئناف المفاوضات على المسار السوري، لكن باراك ومع اندفاعه الشديد للتوصل إلى اتفاق سلام مع سوريا رفض بشكل قاطع التزام «وديعة رابين» الأمر الذي دفع الإدارة الاميركية إلى فتح قناة سرية للتفاوض بين الطرفين برئاسة المستشار القانوني رياض الداوودي عن الجانب السوري، واوري ساغي عن الجانب الإسرائيلي اجتمعا مرتين، حضر في إحداهما اللواء السوري إبراهيم العمر.

وفتح الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بعد بضعة أشهر الباب لاستئناف المفاوضات، عبر اقتراحه على وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت في 7ديسمبر1999 صيغة «استئناف المفاوضات من حيث توقفت»، الأمر الذي سيتيح لكل طرف من الطرفين تفسير ذلك بالشكل الذي يريده. وهي الصيغة التي تم على أساسها استئناف المفاوضات بعد عدة أيام في شيبردزتاون الأميركية، بإشراف مباشر من الرئيس بيل كلينتون، وبرئاسة وزير الخارجية السورية فاروق الشرع، ورئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود باراك.

ولكن بقدر الأهمية التي حظيت بها هذه المفاوضات لجهة حدوثها للمرة الأولى على هذا المستوى، فإن باراك تراجع عن رغبته في استئنافها نتيجة وضع حكومته الشديد التعقيد، والمعارضة الكبيرة لثمن السلام، وهو ما أبلغه للأميركيين لحظة وصوله أرض المطار.

ونجح باراك في إفشال المفاوضات عبر رفضه اجتماع لجنة ترسيم الحدود وإصراره على اجتماع اللجان الأخرى: الترتيبات الأمنية والمياه وعلاقات السلم العادية، وهذا ما أفشل المفاوضات بعد عدة أيام.

إلا أن الرئيس الأميركي أصر على محاولة استئنافها خلال قمة جنيف التي جمعته بالرئيس السوري الراحل، حيث قدم له عرضاً إسرائيلياً يقوم على تغييرات كبيرة في حدود الرابع من يونيو رفض الاسد الاستماع إليه، الأمر الذي دفع الإدارة الاميركية لاحقاً إلى تحميل سوريا مسؤولية فشل القمة وتوقف المفاوضات نهائياً حتى اليوم، بشكل رسمي على الأقل، وهو أمر ساهم فيه إلى حد كبير أيضاً تغير الإدارة الأميركية التي رفضت مبكراً تكرار تجربة الرئيس كلينتون في الانخراط عملية السلام.

لبنان خارج اللعبة..

وليس ثمة شك بأن توقف المفاوضات وما تبعه من انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، وتسلم الرئيس بشار الأسد مقاليد الحكم، واحتلال العراق والتدهور الامني الذي يشهده، واغتيال رفيق الحريري وخروج القوات السورية من لبنان، ونجاح حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية وسيطرتها العسكرية على السلطة في غزة، كل هذه التطورات وضع سوريا في مواجهة ضغوطات دولية وإقليمية وعربية كبيرة، فبدأت بإرسال العديد من الرسائل التي تعلن عن رغبتها في استئناف مفاوضات السلام مع إسرائيل.

إلا أن رئيس الحكومة الإسرائيلية أريئيل شارون الذي عارض الانسحاب من الجولان، لعدم ثقته في سوريا ورفضاً لتخفيف الضغط عنها، قبل لاحقاً بفتح ما يسمى بقناة «المسار الثاني» للمحادثات غير الرسمية بين الأميركي من أصل سوري إبراهيم سليمان، والمدير السابق في الخارجية الإسرائيلية آلون لئيل. وقد انتهت عندما رفضت إسرائيل طلباً برفع مستوى التمثيل، وكانت آخر جلسة شهدها هذا المسار خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006.

وبعد أسابيع من حرب لبنان أطلق الرئيس السوري مبادرة دبلوماسية جديدة، إذ عرض فكرة عيش سوريا وإسرائيل «جنباً إلى جنب بسلام». وإمكانية البدء المفاوضات من دون شروط مسبقة، وكذلك إمكانية التوصل الى اتفاق في غضون ستة أشهر. وبدا أن ثمة تبلور لموقف إسرائيلي جديد يقوم على ضرورة الاستماع إلى عروض الرئيس السوري بشان استئناف المفاوضات مع النظام السوري والعمل على استقطابه وسحبه من أحضان إيران عبر بوابة إعادة الجولان.

وأخذ الرفض الإسرائيلي لاستئناف المفاوضات يتضاءل من قبل العديد من الشخصيات العسكرية والاستخبارية الكبيرة وكذلك السياسية، لإدراكهم المخاطر التي تترتب على تجاهل هذه العروض.

إلا أن نقطة الخلاف الرئيسة بين الجانبين ظلت قائمة في اشتراط إسرائيل أن تقطع سوريا علاقاتها مع إيران، وتوقف دعمها ل«حزب الله» اللبناني وحركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» لاستئناف مفاوضات السلام، فيما ترى سوريا أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا كجزء من اتفاق سلام وليس كمقدمة لهذا الاتفاق.

وهذا ما أكدته دراسة وضعتها مجموعة الأزمات الدولية بعنوان استئناف المفاوضات السورية - الإسرائيلية، التي اعتمدت على مجموعة كبيرة من اللقاءات بين المسؤولين السوريين والإسرائيليين، وبحسب هذه الدراسة فإن «المسؤولين في دمشق قدموا أكثر المؤشرات وضوحاً حتى الآن التي تبين أنهم سيستأنفون المفاوضات دون أي شروط مسبقة، وأن موقف البلاد إقليمياً وفي علاقاتها مع حركة حماس وحزب الله اللبناني وإيران سيتغير حتماً في أعقاب عقد اتفاقية سلام. بعبارة أخرى، من الممكن تحقيق ما تطالب به إسرائيل، ولكن فقط كجزء من اتفاقية نهائية، وليس شرطاً مسبقاً لاتفاقية كهذه».

في ذلك الوقت، ظهر تباين كبير بين عدد من الدول الأوربية والأميركيين في ما يتعلق بالموقف من دمشق، فبينما كان بعض القادة الأوروبيون يرون في دمشق «لاعباً دواراً» قادراً على توفير المزيد من الاستقرار، أو إثارة المزيد من الاضطراب، بقيت الولايات المتحدة معارضة لتجديد الحوار مع سوريا، ونصحت إسرائيل ألا تستأنف مفاوضات السلام، وأعرب العديد من القادة العرب عن وجهات نظر مماثلة.

إلا أن أفراداً نافذين من خارج الإدارة طالبوا باتباع مسار مختلف، كما ظهر ذلك في تقرير بيكر - هاملتون الذي طالب بإعادة الاتصالات السورية الأميركية واستئناف المحادثات السورية الإسرائيلية.

وتعتبر معارضة الولايات المتحدة لأي حوار مع دمشق عائقاً رئيسياً، ورغم إنكار واشنطن، فإن كل المؤشرات تبين أنها قد أبدت لتل ابيب معارضتها لاستئناف المفاوضات مع دمشق التي ستستخدمها سوريا، في رأيها، لفك طوق العزلة عنها والتغطية على مزيد من التدخل في الشؤون اللبنانية وتحويل التركيز بعيداً عن التحقيقات بشأن اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري. ويرى المسؤولون الأميركيون بأن دمشق قد ترغب في استعادة الجولان ولكنها تحاول جاهدة استعادة لبنان أكثر.

وتكشف التسريبات الإسرائيلية الأخيرة حول تبادل الرسائل بين سورية وإسرائيل، عن أن الطبخة لم تنضج حتى الآن، خصوصاً وأن سوريا عادت للتلويح باستخدام «الخيارات البديلة» خلال القمة العربية التي عقدت في دمشق، وحاولت العمل على التهديد بسحبها، الأمر الذي يكشف عدم حصول أي اختراق على صعيد استئناف المفاوضات.

وهو ما يفسر ربما السبب الكامن وراء إعلان إسرائيل عن فشل ما يقارب عشرين رسالة من أولمرت إلى الأسد في تقريب الهوة التي تفصل الجانبين وإعلان إسرائيل أن الوقت لم يعد مناسباً لبدء مفاوضات مع سوريا، مما يبقي الباب مفتوحاً على كافة الاحتمالات بما فيها الخيار العسكري في ظل التوتر الذي تشهده الحدود منذ فترة ليست بالقصيرة.

دبي ـ فراس كيلاني