أحيت مقررات القمة العربية العشرين في دمشق آمال قرب بزوغ فجر تنقية الأجواء العربية، وإمكانية تحقيق مصالحة بين مصر والسعودية من جهة وسوريا من جهة أخرى تفضي إلى انفراجة تحل العقدة الرئاسية اللبنانية. فلقد انعقدت القمة واختتمت وسط أجواء وصفها الأمين العام للجامعة العربية بالملبدة بالغيوم السياسية، بلغت حداً من القتامة لم يعد محتملاً. غير ان شيوع خطاب تصالحي على منبر رئاسة القمة، وتجديد التمسك بالمبادرة العربية لانتخاب العماد ميشيال سليمان قائد الجيش رئيساً توافقياً للبنان، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، بث الروح في جسد التضامن وفتح الباب أمام جهود لانجاز هذه المصالحات المأمولة.
«البيان» في استشرافها فرص المصالحة وتنقية الأجواء، استطلعت آراء مفكرين وسياسيين في كل من عواصم القرار: دمشق، الرياض والقاهرة.
تباينت آراء المحللين والمفكرين السوريين حول المرحلة التي تتلو القمة العربية، وآفاق المصالحة المرجوة بين الدول العربية. ففي حين استبشر البعض بالمرحلة المقبلة ورأى وجود فرصة ثمينة للمصالحة، اعتبر آخرون ان الآفاق مسدودة وأن المصالحة العربية بعيدة المنال في ظل الظروف الحالية التي يميزها التناحر بين مشروعين مختلفين يتنازعان المنطقة.
في التالي آراء بعض الكتاب والمحللين السوريين:
أتوقع اجتماع ترويكا القمة قريباً في دمشق
في البداية يرى الدكتور جورج جبور المستشار السابق للرئيس السوري ان «كلمة الرئيس بشار الأسد الختامية كانت إشارة واضحة إلى كل الدول العربية، ولاسيما منها تلك التي لم يحضر قادتها إلى دمشق تقول لهم بكل وضوح «سوريا مستعدة للحوار وهي في قلب العروبة أو قلب العروبة، ولا يمكن لها إلا أن تكون كذلك فلتكفوا عن التقول عليها تقولات لا يمكن لأحد أن يأخذها بها».
ويضيف «هكذا فإن هذه الدعوة للحوار توضح بجلاء أن زمن المصالحات قد أطل علينا إذا تجاوب المسؤولون العرب الكبار الذين لم تساعدهم الظروف على المشاركة في القمة وبالتأكيد فإن الملف اللبناني أحد الأمور التي سوف ينصب عليها جهد المصالحة».
ويرى ان «أساس المصالحة في لبنان هو أن لا يكلف الله نفساً إلا وسعها فمن غير المنطقي أن يطلب من طرف إقليمي تقديم ما لا يستطيع تقديمه وكأن الطرف اللبناني غير موجود أو غير ذي رأي. وكانت سوريا واضحة في القول إن المشكلة اللبنانية لبنانية قبل كل شيء وهكذا فعلى اللبنانيين أن يمارسوا سيادتهم دون أن يتذرعوا بالقول إن هذا البلد أو ذاك يحرمهم من تلك السيادة».
وبالنسبة لفلسطين فثمة أحاديث إيجابية عن إمكانية عقد حوار بين فتح وحماس يؤدي إلى مصالحة وطنية فلسطينية، ويبقى موضوع العراق معقداً إلى حد لا بأس به ولاسيما في ضوء التحفظ الذي أبداه الوفد العراقي على طبيعة القرار الخاص بالعراق.
ويخلص جبور إلى «أتوقع من رئيس القمة العربية الدكتور بشار الأسد أن يستمر في مبادراته الهادفة إلى تفعيل العمل العربي المشترك منطلقاً من فهم دقيق لمهمات رئاسة القمة. وأولى مهمات الرئاسة العمل على تنفيذ مقررات القمة وآلية هذا التنفيذ. فقد نصت عليه وثائق في الجامعة العربية حول دور للترويكا العربية في بلورة المواقف العربية وهي تتكون من الرئيس الحالي والرئيس السابق والرئيس القادم للقمة.
وفي توهمي أن العلاقة بين الرؤساء الثلاثة ينبغي أن تكون يومية ودقيقة، وسأكون مسروراً جداً إذا حدث ما لا أتوقع حدوثه وهو اجتماع ثلاثي في وقت ليس ببعيد يعقد هنا في دمشق برئاسة الرئيس الراهن للقمة العربية يضم الرئيس السابق والرئيس اللاحق كما يضم عمرو موسى أمين عام الجامعة ومعاونيه.
القمم برهان على اغتراب النظام العربي
يرى الدكتور أحمد برقاوى المفكر القومي انه «منذ السبعينات وحتى اليوم تبدو القمم العربية تأكيداً على ان هناك من يفكر في مصالح ضيقة بصرف النظر عن المصلحة القومية، وبرهاناً على اغتراب النظام السياسي عن المجتمع عن الأوطان عن الأمم».
ويضيف «الكل يريد تصالحاً مع العدو وهذا هو جوهر المبادرة العربية. ماذا يعني الخلاف أن البعض تصالحوا والبعض الآخر لم يتصالح طالما أن المبادرة هي للتصالح. وهناك توافق على المشكلات. الاختلاف هو اختلاف المتشابهين ولذلك لهم لغتهم وللناس لغتهم. وبالعكس نتمنى أن يختلفوا اختلافاً شديداً حتى تظهر التناقضات. ومن هذا الاختلاف والتناقض تبرز الحياة ومن التشابه يبرز الركود».
قمة لم تمر قراراتها بمنخل الناخلين يعتبر الكاتب حسن يوسف ان قمة دمشق نجحت رغم أنف أعدائها، ودليل ذلك المزاج الرائق الذي ساد المؤتمر الصحافي المشترك للأمين العام للجامعة، العربي الصميم عمرو موسى، ووزير خارجيتنا اللماح وليد المعلم الذي اكتشفنا أنه يمتاز بخفة الدم إضافة لاحترافه الدبلوماسي.
ويضيف «تعلمون أنه في كثير من القمم كانت المقررات تأتي باللغة الإنجليزية، ثم تترجم إلى العربية، إلا أن قمة دمشق تميزت بأن قراراتها صيغت بالعربية وصدرت بالعربية دون أن تمر بمنخل الناخلين! ولأن قمة دمشق كانت عربية القلب والهدف واللسان من مبتداها إلى منتهاها، فقد تعرضت لهجمات علنية من الإدارة الأميركية الشريرة، ومن الرئيس الفرنسي ساركوزي».
كذلك تعرضت القمة لعمليات تخريبية من خارج الساحة السياسية، إذ تعرضت وسائل الاتصال لهجمات من الهاكرز الذين سبق وأن أطلقت عليهم لقب زعران الشبكات.
وما جرى عند افتتاح القمة يكشف حقيقة تبعيتنا المعلوماتية للغرب وعلى رأسه أميركا، إذ يوجد في العالم ثلاثة عشر مخدماً جذرياً واحد منها موجود في اليابان والبقية في أميركا! فإلى متى تبقى المعلوماتية العربية تحت رحمة العم سام؟
التوافق ممكن إذا صدقت النوايا
في رأى المحلل السياسي مأمون كيوان ان آفاق المصالحة العربية بعد قمة دمشق تبدو غامضة مبهمة، نظراً لأن القمة العربية كانت محطة من محطات الصراع بين المشروعين اللذين يتنازعان المنطقة وهما المشروع الأميركي ومشروع الممانعة.
ويستدرك قائلاً «لكن ذلك لا يعني أن الإمكانية معدومة. نظراً لأن الإشارات التي انطلقت من دمشق والرياض غداة انتهاء القمة أتت لتؤكد أن التوافق ممكن إذا صفت النوايا وتوفرت الإرادة السياسية الجادة بعيداً على الإملاءات الأميركية والارتهان لمشاريع إعادة رسم خرائط المنطقة».
«مثل هذه الإرادة تحتاج إلى وقفة تاريخية ومراجعة نقدية لحصيلة الأعوام القليلة السابقة التي أفرزت المواقف العربية بين معسكرين متناحرين، وتغليب المصلحة القومية على المصالح القطرية الضيقة المرتهنة بمصالح قوى الهيمنة العالمية».
ويختم بقوله «العرب مدعوون الآن أكثر من أي وقت إلى المصالحة، والأوضاع في فلسطين والعراق ولبنان باتت على شفير الهاوية، وإذا استمر الخصام العربي فمصير هذه الدول يسير إلى المجهول الذي لا تحمد عقباه ولا ينفع بعده الندم».
دمشق ـ تيسير أحمد
