أكد الرئيس البوسني حارث سيلاجيتش التزام مسلمي البوسنة (البوشناق) باتفاقية دايتون التي اضطروا إلى الموافقة عليها لإنهاء الحرب العرقية في العام 1995، لكنه أشار بمرارة إلى انها تعطي اقليم جمهورية الصرب بجزأيه حقوقا أكثر مما يستحق. وقال سيلاجيتش، في حوار تنشره «البيان» باتفاق خاص مع الزميلة «الأنباء» الكويتية، إن متطرفي صربيا لايزالون يحلمون بمشروع «صربيا الكبرى».
ويحرّضون صرب البوسنة على دولتهم، فيما كشف ان بلاده تحتاج من ست إلى ثماني سنوات لإجراء الإصلاحات والتعديلات اللازمة لدخول الاتحاد الأوروبي، وما بين سنتين وثلاث لنيل العضوية في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، معربا في نفس الوقت عن تفاؤله الكبير بمستقبل البلقان، مطالبا الشرعية الدولية باحترام الأحكام القضائية وملاحقة مجرمي الحرب. وفي ما يلي نص الحوار مع الرئيس البوسني:
* تعيش البوسنة اليوم مرحلة انتقالية، وبينما تتطلعون للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي نرى ان النظام الداخلي معقد جدا، وهناك محاولات ودعوات مستمرة لتعديل الدستور، أين أصبح هذا الأمر؟ ومتى تعتقدون ان البوسنة تكون جاهزة لدخول الاتحاد الأوروبي؟
ـ هذا سؤال صعب، لكن باعتقادي نحتاج من 6 إلى 8 سنوات لإجراء الإصلاحات والتعديلات اللازمة لدخول الاتحاد الأوروبي.
بالنسبة للناحية الاقتصادية يمكن القول ان اقتصادنا يتحسن وقادر على النهوض. ونحن أيضاً نتطلع عسكريا للانضمام إلى حلف الناتو لتوفير الحماية لبلدنا وتعزيز استقراره، وأتوقع ان يتم ذلك بين سنتين إلى 3 سنوات وطريقنا إلى ذلك واضح. لكن بالنسبة للاتحاد الأوروبي فالطريق أصعب، وكما قلتم نظامنا الداخلي المعقد يلعب دورا في ذلك، والحقيقة انه نظام فرض علينا فرضا ونجد صعوبات في تعديله، وهناك للأسف حزب راديكالي في صربيا هو أقوى حزب.
ولا يعترف بشيء من حقوقنا، وعندهم مشروع اسمه «صربيا الكبرى» مازال يراود مخيلتهم، ولذلك اعتدوا علينا ونحن حاربناهم بقوى بسيطة جدا ودون سلاح او عتاد بمساعدة أصدقائنا، فقد حصل هذا الكيان على الاعتراف في اتفاقية دايتون للسلام في العام 1995، ووقعنا على هذه الاتفاقية حينها من اجل السلام رغم معرفتنا بأن هذا الكيان هو تحت الحكم الصربي وسيشكل خطرا على وحدة البلد.
وجرت قبل سنتين محاولة تعديل الدستور، لكننا رفضناها لأنها تعطي هذا الكيان الصربي حقوقا أكثر مما يستحق او مما حصل عليه في الاتفاقية وهو أصلاً لا يستحقه، فسكان ما يعرف بـ «جمهورية الصرب» ضمن أراضينا من المسلمين والكروات كانوا 46 في المئة وتدنت النسبة إلى 8 في المئة فقط اليوم بعدما تم تهجير نحو 40 في المئة.
من هنا نحن نطلب من المجتمع الدولي ان يراعي القوانين الموجودة كميثاق الأمم المتحدة وتجريم عمليات الإبادة. باختصار، لا يمكن ان نقبل بهذا الكيان، كيان «جمهورية الصرب» الآن هو قائم لأنه نتيجة ولأننا أردنا السلام وحصلنا عليه، لكن النظام القائم على التفرقة والعنصرية والدم والإبادة لا يمكن ان نقبل به في بلدنا إلى ما لا نهاية.
* هل تعتقدون ان فترة 6 سنوات كافية لتغيير النظام وتعديل الدستور وإلغاء منصب الممثل الأعلى كي تتمكنوا من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟
ـ نحن بحاجة إلى وجود الممثل الأعل
ى كشر لابد منه إلى ان تنتهي صلاحية اتفاقية دايتون التي تنص بالملحق رقم 10 على تعيينه أو تصحيح الأمور بشكل عام في البوسنك والهرسك وللأسف لسنا في هذه المرحلة.
* أنتم تدعون إلى تغيير النظامين السياسي والإداري الموجودين؟ هل سيأتي يوم يكون للبوسنة رئيس غير منتخب على أساس عرقي؟
ـ نحن نتطلع إلى هذا الشيء، والحزب الذي أنتمي إليه (من أجل البوسنة) حزب تعددي والدليل أن وزير الخارجية صربي يهودي.
انا أؤمن بالحوار والكفاءة وبالتعددية، بلدنا ليس كبيرا في مساحته لكنه كبير برمزيته وتاريخه. وعندما أقول الحوار أعني الحوار بين الجميع دون استثناء فعلى المسلمين وهم أغلبية بالداخل أن ينجحوا في محاورة الداخل لينجحوا لاحقا في الحوار مع الغالبية على المستوى الأوروبي، والطريق إلى ذلك هو الاعتماد على «المواطنة» ومبدأ التساوي بين الحقوق والواجبات كما في أوروبا وأميركا.
وهذا لا يعني اننا ضد الخصائص الدينية والاثنية ولكنها ليست الأساس للنظام. والمشكلة ان الوضع القائم الآن كنتيجة للحرب 1992 ـ 1995 يصبح بمرور الزمن واقعا، والكارثة الكبرى ان المجتمع الدولي يعجبه هذا الوضع ويعمل بمنطق انه مادام السلام قائما فلا داعي للتغيير رغم ان ذلك خطأ كبير.
* وهل هذا موقف الاتحاد الأوروبي أيضا؟
ـ للأسف، نحن لا نسمع إلا هذا الكلام منهم، من جهة يقولون نحن مع سلامة ووحدة أراضي البوسنة والهرسك ولكن بالمقابل يقولون نحن مع نظامها الداخلي!
وأنا لا اعتقد ان المجتمع العالمي يستطيع أن يعترف بشرطة «جمهورية الصرب»، نحن نريد ان نوحد الشرطة ولكن في «جمهورية الصرب» يصرون على بقاء هذا الجهاز أي «شرطة جمهورية الصرب» رغم ان محكمة العدل الدولية أصدرت حكما ضده العام الماضي بارتكاب جرائم إبادة البوشناق في مدينة سيربرينيتسا، وهم يطالبون بهذه الشرطة تحت نفس الاسم.. أي كأننا نعترف بالـ «غيستابو» في ألمانيا.
* الا تتوقعون صدور قرار دولي جديد بهذا الخصوص؟
ـ من الممكن صدور قرار جديد أو توافق بين الأطراف في البوسنة والهرسك مع الاتحاد الأوروبي.
* هل ثمة خوف من العودة إلى الحرب في البوسنة والهرسك؟
ـ سبب الحرب الأصلي كان سياسة نظام بلغراد القائمة على جيش كبير، وعلى القوة وهذا الجيش انتهى اليوم وأصبح دون قوة وسلاح فعليين، ولذلك يبقى الصراع كلاميا، وبرأيي القوى الفعلية لم تعد موجودة وإن كان ذلك لا يمنع من استمرار بعض المتطرفين في طروحاتهم، ولكن لا اعتقد ان الحرب ستعود إلى الصورة التي كانت عليها، وان كان من الممكن حصول حوادث متفرقة او مشاكل ولكن لن تكون حربا واسعة النطاق مع اننا مازلنا نسمع كلاما مسموما.
* كيف ترون مستقبل البلقان؟ وهل «صربيا الكبرى» أصبحت فعلا جزءا من الماضي؟
ـ بالنسبة للبلقان انا متفائل جدا لوجود امكانيات اقتصادية وبشرية ضخمة، لا ننسى الماضي طبعا، ولن ننساه، ونطالب الشرعية الدولية باحترام الاحكام القضائية وملاحقة مجرمي الحرب والا ستكون الرسالة سيئة جدا، اذ لا يمكن تجاهل عمليات الإبادة والطرد الجماعي والمعسكرات.
*كيف تتعاملون اليوم مع كوسوفو؟
ـ الشعب الألباني له تطلعات للاستقلال منذ 1912 ولكن الظروف التاريخية والعالمية ويوغسلافيا حالت دون ذلك، وأهل كوسوفو كانوا منذ حكم يوغسلافيا يطالبون بالاستقلال وحصلوا على حكم ذاتي، وتعرضوا في بعض المراحل إلى معاملات سيئة جدا من الشرطة اليوغسلافية، وبعد حرب البوسنة حاولوا الدخول في مرحلة جديدة، ما أدى إلى تهجير أكثر من مليون شخص والى تدخل قوات حلف الأطلسي وطالبوا بالاستقلال وحصلوا عليه.
وكل ذلك بدعم من الولايات المتحدة التي كما في البوسنة كان لها دور كبير. أما بالنسبة لعدم اعترافنا حتى الآن باستقلال كوسوفو وعدم الاستعجال بذلك فهو يعود إلى ظروف داخلية في بلدنا، لأن الصرب البوسنيين هنا يعارضون هذا الاستقلال، ولا نريد ان تكون لذلك انعكاسات علينا.
اما لو سألتني هل سينجح هذا الاستقلال؟ فأعتقد انه نعم سينجح، لأن شعب كوسوفو على ما أعرف شعب فتي معدل الأعمار فيه نحو 30 عاما وهم ناشطون وعندهم جاليات كبيرة في الخارج وعلاقات دولية أقاموها طيلة القرن الماضي لدعم قضيتهم ولديهم موارد طبيعية وبالتالي يمكن أن ينجحوا.
* ما صحة التحليلات بأن كوسوفو والبوسنة ستتحولان إلى مراكز لقواعد أميركية قرب روسيا لمحاصرتها وفي خاصرة أوروبا؟
ـ ليست هناك قواعد أميركية لدينا كما ان للولايات لمتحدة قاعدة في كوسوفو، ولا تفكر في اقامة أي قواعد في بلادنا، ونحن نريد أن تعيش تحت سقف هو الاتحاد الأوروبي وقوات الناتو، ولا علاقة لذلك بروسيا رغم ان لموسكو تأثيرا واضحا على العلاقات مع صربيا وهذه العلاقات تاريخية، فهناك استثمارات روسية في البوسنة والهرسك والمنطقة كلها.
طبعا لدينا علاقات ديبلوماسية مع روسيا، لكن لا يمكن القول اننا لسنا منحازين فخيارنا وخيار شعبنا هو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي، تاريخنا وماضينا صعب جدا ونريد لأجيالنا المستقبلية ان تعيش بسلام وان نحافظ على هوية البوسنة والهرسك بكل أطياف شعبها: مسلمين، كاثوليك، أرثوذكس، مع الحفاظ على الخصوصيات.
* ما هي المهام الملقاة على عاتق الجيش البوسني مستقبلا؟ وما العقيدة الموضوعة له؟
ـ سيكون داخل حلف الأطلسي ووظيفته الدفاع عن حدودنا ووحدة أراضينا، إضافة للمشاركة في البعثات الدولية، ولكنه سيكون جيشا صغيرا كجيش كرواتيا، ولن يكون كجيش يوغسلافيا العملاق أيام تيتو عندما كنا نصرف 70% من الميزانية على الجيش واليوم استخلصنا كثيرا من هذا الدرس لأننا شاهدنا كيف استخدم ميلوسيفيتش هذا الجيش لقمعنا.
* ما مصير القاعدة الصناعية العسكرية في البوسنة والهرسك التي تركت من فترة المارشال تيتو؟
ـ خلال حكم يوغسلافيا كانت المصانع العسكرية منتشرة في إرجائها وكان المركز في البوسنة والهرسك وخاصة الصناعات الثقيلة كالدبابات، ولا تزال هذه الصناعات موجودة ونحن نعمل اليوم على اعادة هيكلتها وإعادة تشغيلها.
* إلى أين وصلت الجهود لإعادة المهجرين لتعداد التركيبة الديموغرافية إلى ما كانت عليه قبل الحرب؟
ـ هناك ميزانية لاعادة اللاجئين، وهذه السنة الميزانية جيدة ولكن المشكلة في عدم وجود إرادة سياسية لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه خاصة من جانب «جمهورية صربيا» لان مشروعهم غير ذلك، ونحن نحاول ان نهيئ الظروف قدر المستطاع لإعادة الأمور إلى نصابها، لدينا قائمة بأسماء الراغبين في العودة وعددهم نحو 130 الفا يريدون الرجوع إلى أراضيهم في جمهورية الصرب وهذا امر مهم جدا والملحق رقم 7 في اتفاقية دايتون ينص على ذلك ولكننا للأسف لم ننجح في تطبيقه حتى الآن.
* فيما يخص علاقتكم مع البلدان العربية والإسلامية، كيف تقيمون العلاقات البوسنية ـ العربية والبوسنية الخليجية اليوم؟
ـ بالنسبة للعلاقات السياسية فهي ممتازة، وخاصة مع دول الخليج، لكن العلاقات الاقتصادية لا تليق أو تتماشى مع مستوى العلاقات السياسية، ونحن هنا نلوم أنفسنا لأننا لا نقدم الصورة اللازمة عن قدرات بلدنا.
البوسنة والهرسك غنية جدا بمصادر الطاقة والمياه والصناعات الثقيلة والخفيفة وصناعة الخشب وغيرها. بالنسبة للكويت، اذكر ان الهيئة العامة للاستثمار قد استثمرت في مصنع الحديد في زنيسا عام 1998، اي بعد فترة قصيرة من انتهاء الحرب، والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية شارك كذلك بعدة مشاريع، لكن هناك المزيد بل الكثير من الفرص التي تفيد الطرفين،.
وحضرت القمة الإسلامية بداكار وقد سمحت لنا الالتقاء بالعديد من الإخوة والأصدقاء والقادة وتحدثنا معهم عن انتقال البوسنة من مرحلة إلى أخرى، واننا اليوم نريد الشراكة والاستثمارات واستغلال الفرص لتكون العلاقة الاقتصادية بمستوى العلاقات السياسية التي تجمعنا بالدول الإسلامية الصديقة وليس اقل منها.
حوار: عدنان الراشد ومحمد الحسيني
