إذا كان العام 2006 بدأ بزلزال فجره فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية ودفع بها إلى سدة الحكم وتشكيل الحكومة الفلسطينية العاشرة في التاسع والعشرين من مارس، فإنه منذ ذلك الحين والسفينة الفلسطينية تتقاذفها أمواج السياسة نظرا للحصار الذي فرضه الغرب على حكومة «حماس» التي ترفض الاعتراف بإسرائيل والاتفاقات الموقعة معها.
ما أدى بها إلى القبول بإقامة حكومة وحدة وطنية في بداية العام 2007، لكنها أيضاً لم تحل المشكلة، الأمر الذي أوصلها في نهاية المطاف إلى القيام بحسم عسكري في قطاع غزة، أزاحت به حركة فتح وكل رموز السلطة الفلسطينية. تجربة «حماس» في السلطة التي يمر عليها اليوم عامان، تناولتها دراسة مطولة للباحث الفلسطيني إيهاب عبدالسلام قال فيها: «بدت للبعض من مؤيدي حماس أنها بالفعل حققت انجازات خلال توليها مقاليد السلطة، غير أن التدقيق في المعطيات والسلوك والأرقام يبرهن على وهمية الانجاز، الذي يظل انجازاً فقط في أذهان من أرادوا أن يسموه كذلك اعتباطاً.
ومن الموضوعية هنا أن نتوقف عند الإخفاقات التي يمكن أن تكون قد تسببت بها هذه الحكومة، وسنؤسس لمنهجية قوامها أن يعتمد قياس الإنجاز أو الإخفاق على ما ورد من أهداف تسعى الحكومة إلى إنجازها ضمن البرنامج الانتخابي الذي قدمته قائمة التغيير والإصلاح التي شكلتها حركة حماس لخوض الانتخابات التشريعية الثانية في ديسمبر العام 2006».
وأوضح الباحث انه قد «بدا من الواضح منذ اللحظة التي تشكلت فيها الحكومة العاشرة أن الأوضاع الفلسطينية تتراجع بشكل متسارع وتزداد سوءاً مع مرور الوقت، فمنذ تسلم الحكومة الفلسطينية العاشرة لمهامها بتشكيلتها الكاملة من حركة حماس ومجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية وحتى الاجتماعية في فلسطين تعيش تدهوراً غير مسبوق على كافة الصعد وفي شتى الميادين».
وتابعت الدراسة أن المواطن الفلسطيني «يعيش حالة اضطراب وارتباك في التفكير في ظل الحروب الكلامية وأحياناً الاشتباكات العسكرية، متسائلاً عما كان يسمعه ويقرأه في برنامج حركة حماس الانتخابي، وبين ما يراه من سلوكيات على الأرض.
فإذا كان هذا هو التطبيق والانعكاس الحقيقي لبرنامج حماس، فإنه يتوجب عليها أن تعيد النظر في برنامجها وسياساتها وتكتيكاتها المرحلية، بعد أن فشلت فشلاً ذريعاً في تطبيق ولو ما نسبته واحد بالمئة من برامجها البراق؛ أما إذا كان البرنامج الانتخابي لا يعكس بالمطلق أهداف الحركة وبرامجها، فعلى الشعب حينئذ أن يعيد النظر في تقييمه لمن يقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول».
وأضافت الدراسة أن البرنامج الانتخابي لحركة حماس «ركز على أن قضية تحرير فلسطين تتعلق بدوائر ثلاث: الفلسطينية، والعربية، والإسلامية، ولكل دائرة دورها في الصراع مع الصهيونية». وتشير إلى أنه على صعيد الدائرة الفلسطينية «يتبين أن الوطن يعيش حالة تنمو فيها الظواهر التالية: ازدياد الفقر، استفحال الفلتان الأمني، حصار اقتصادي وسياسي».
أما على صعيد الدائرة العربية «فللمرة الأولى تتجرأ بعض الأنظمة العربية على اتخاذ مواقف علنية ضد الفلسطينيين والمقاومة وتجاهر بالسير في ركاب الولايات المتحدة وإسرائيل». وتتابع الدراسة أن حركة حماس «تعتقد أن أحد أهم انجازاتها أنها لم تعترف بإسرائيل ، ومهم هنا التأكيد على أن الاعتراف بإسرائيل لم تُقدم عليه فتح، فكيف تطالب حماس بذلك، الجهة التي اعترفت بإسرائيل ووقعت معها اتفاقات كانت هي منظمة التحرير الفلسطينية.
تعتقد الحكومة أنه من غير الواجب عليها أن تسعى لتأمين متطلبات المواطن، معتبرة أن هذه ليست من مسؤولياتها، والواضح هنا أن حكومة حماس تحتاج إلى من يقول لها أنه يجب الفصل بين مسؤوليات الحكومة على أرض السلطة الوطنية وأيديولوجية التنظيم، في الأولى نحتاج إلى جهود وبرامج وأموال وقوانين وخطط معلنة، وفي الثانية يمكننا أن نكتفي بالشعارات والأدبيات السياسية».
ولعل ابرز ما أشارت إليه الدراسة هو استفحال ظاهرة الفقر منذ تولي «حماس» السلطة، وتشير إلى أن تقرير لوكالة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين (اونروا) بيّن أن «الخدمات العامة في الأراضي الفلسطينية على وشك الانهيار وان مظاهر الفقر تزداد وضوحا وان انعدام الأمن يزداد تفشيا». وأضافت المنظمة أنها «تشعر بقلق شديد من التدهور التدريجي، أو بالأحرى الانهيار الشامل للنظام التعليمي في المدارس الابتدائية لدى السلطة الفلسطينية».
شهادة فلسطينية أخرى على سوء الأوضاع، أدلى بها رئيس دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات قال فيها إن «نسبة التراجع في الدخل القومي بلغت 5. 24 في المئة خلال الأشهر العشرة الأولى من 2006». وشدد على أن «الوطن على وشك الانهيار، حيث بلغ الدخل خلال الأشهر العشرة الأولى من العام 2006، 9. 2 مليار دولار، في حين أنها كانت 4. 4 مليارات دولار في العام 2005».
وأضاف أن «الدخل القومي للفرد تراجع من 1152 دولاراً في العام 2005 إلى 802 دولار في الأشهر العشرة الأولى من العام الجاري، أي بمعدل انخفاض نسبته 1. 27 في المئة». وأشار عريقات إلى أن «البطالة ارتفعت من 23 في المئة في العام 2005 إلى 40 في المئة في العام الحالي، وذلك تم استثناء البطالة المقنعة التي لم يجر بحثها بعد.
مبيناً أن نسبة العائلات التي تعيش تحت خطر الفقر في قطاع غزة وصلت إلى 88 في المئة من مجموع مواطني القطاع، فيما بلغت نسبة العائلات التي تعيش تحت خطر الفقر في الضفة الغربية 55 في المئة». وأضاف أن «هناك ارتفاعاً في نسبة المواطنين الذين يعتمدون على المساعدات الغذائية الخارجية التي تقدمها الأمم المتحدة، عبر برنامج الغذاء العالمي من 830 ألف مواطن في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى 930 ألف مواطن في الأشهر الأخيرة.
وهذا يؤكد حالة الفقر التي ترتفع في المجتمع الفلسطيني». وشدد على أنه «إذا استمر الوضع الحالي والتراجع الجاري في الأراضي الفلسطينية فسوف يفقد 84 في المئة من الموظفين العاملين في السلطة الوطنية أعمالهم بحلول العام 2008، وسوف تبلغ الخسائر الفلسطينية 4. 5 مليارات دولار».
أما صندوق النقد الدولي فذكر في تقرير له أن دخل السلطة الفلسطينية قد انخفض بنسبة 60 بالمئة بعد تولي حركة حماس للحكم، حتى في الوقت الذي اتسع فيه جدول الرواتب الحكومي، مما اوجد وضعا غير مستدام. وأفاد التقرير بأنه بين ابريل وسبتمبر 2006 «تلقت الحكومة 500 مليون دولار فقط مقارنة بـ 2. 1 مليار دولار في الفترة نفسها من العام 2005. ومعظم هذا الانخفاض ناتج عن رفض إسرائيل تحويل نحو 360 مليون دولار من عائدات الضرائب التي تجمعها نيابة عن الفلسطينيين».
وتابع أنه «على الرغم من قطع الدعم الدولي عن الحكومة الفلسطينية التي تقودها حماس، فان نحو 420 مليون دولار من الدعم الأجنبي وصل إلى الفلسطينيين بين ابريل وسبتمبر، وهو يفوق ما تم تقديمه من دعم مماثل في عام 2005 كله».
وقال التقرير إن «نحو 80 في المئة من الدخل البالغ 500 مليون دولار في الأشهر الستة من عام 2006 قد انفق على دفع رواتب الموظفين الحكوميين وواردات الوقود ما ترك القليل لعناصر الميزانية الأخرى مثل المخصصات الاجتماعية».
شعبية الحركة في ازدياد
رغم كل الأوضاع الصعبة التي تمخضت عن تولي حركة حماس السلطة، إلا ان استطلاعاً للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية اظهر تقدماً ملحوظاً في شعبية الحركة والحكومة التي تقودها برئاسة إسماعيل هنية.
وبين الاستطلاع الذي نشر في 17 الجاري أن «الفجوة بين شعبية الرئيس محمود عباس وإسماعيل هنية تقلصت من 19 نقطة مئوية إلى صفر تقريباً، وأنه في حال جرت الانتخابات بينهما سيحصل الرئيس عباس على 46 في المئة بينما يحصل هنية على 47 في المئة».
وذكر المركز أن «شعبية أبومازن كانت بلغت 56 في المئة وهنية 37 في المئة في ديسمبر 2007، وفي أثناء هدم الجدار الحدودي الفاصل بين قطاع غزة ومصر بلغت شعبية أبو مازن 51 في المئة مقابل 43 في المئة لهنية».
أرجع الاستطلاع هذه التغيرات إلى التطورات السياسية والأمنية التي شهدها الواقع الفلسطيني بدءاً من فتح الحدود مع مصر، مروراً بالاجتياح الإسرائيلي لأجزاء من قطاع غزة والذي أدى لسقوط عدد كبير من الشهداء وفي عدد الصواريخ التي أطلقت على بلدات إسرائيلية، ثم حدوث عمليتين تفجيريتين في ديمونا والقدس المحتلة، وانتهاءً بفشل عملية السلام في أنابوليس.
وأشار إلى أن «هذه التطورات عملت على خلق تعاطف شعبي مع حركة حماس لنجاحها في كسر الحصار واجتياح الحدود ولكونها ضحية للضربات الإسرائيلية، كما ساهمت في ضعضعة مكانة الرئيس محمود عباس وحركة فتح وأظهرتهما كعاجزين لفشل الاثنين في إحداث تحول في الواقع اليومي في الضفة الغربية أو في إنهاء الاحتلال من خلال العمل الدبلوماسي».
وأفاد الاستطلاع أن «نسبة الرضا عن أداء الرئيس بلغت 41 في المئة ونسبة عدم الرضا 56 في المئة، وأن حكومته التي يرأسها سلام فياض كانت أقل رضا لدى جمهور الاستطلاع من الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة والتي يرأسها إسماعيل هنية.
وبلغت نسبة الرضا عن حكومة فياض 30 في المئة، بينما بلغت نسبة الاستياء (42 في المئة)، أما الحكومة الفلسطينية برئاسة هنية فبلغت نسبة الرضا عنها (39 في المئة)، أما الاستياء من أدائها فبلغ نسبته 34 في المئة».
وتفوقت الحكومة المقالة في غزة والتي يرأسها هنية على حكومة تسيير الأعمال في رام التي يرأسها د. سلام فياض من حيث الشرعية، إذ أيد 49 في المئة من المستطلعة آراؤهم استمرار هنية في منصبه كرئيس للوزراء، فيما يؤكد 34 في المئة أن حكومة هنية هي الشرعية مقابل (29 في المئة) تعتبر حكومة فياض الشرعية
غزة ـ ماهر إبراهيم

