بعد مرور 60 عاماً على نكبة فلسطين، يحاول أن يتناسى الكثير من الإسرائيليين كيف أقاموا كيانهم على أرض مغتصبة فيما وقع بعضهم، ممن تبنوا قيم الغرب الأخلاقية في أزمة حين اكتشف أن داره بعد كل هذه السنين، ملك لفلسطينيين ما زالوا على قيد الحياة.
الكاتب اليساري في صحيفة «يديعوت أحرونوت» يهودا ليطاني، الذي اعتقد أنه يقيم في أرض مهجورة صدم حين وجد الفلسطيني صاحب الأرض الحقيقي جالساً يتسامر معه في حديقة منزله، يقول ليطاني «أنا لا اشتري بضائع المستوطنات وإذا بي اسكن على ارض هجرها او اضطر الى هجرها فلسطينيون بعضهم لا يزال حيا، يراها فيحزن».
وكان ليطاني امتنع لسنوات طويلة من شراء منتجات المستوطنين في الضفة الغربية لقناعته بضرورة تفكيك المستوطنات التي يؤمن أنها غير شرعية، بنيت على الأراضي التي احتلها الجيش الاسرائيلي عام 1967.
ولطالما أثار ليطاني العجب وسط البائعين حين يمتنع عن شراء بضائعهم المنتجة في المستوطنات، يقول « فتح البقال عينيه عجبا وسأل لماذا تعيد البيض الطبيعي؟ فهو طازج، هذا الصباح فقط تلقيناه فأجبته، مكتوب عليه انتاج مستوطنة في السامرة (الضفة) (...) لا اشتري من انتاج المستوطنات. سألني البائع منذ متى؟ فأجبت: منذ الأزل».
واعترف ليطاني بأنه يشعر بالحرج حين يأتيه ضيوف الى منزله يحملون الحلوى والمشروبات التي تكون صنعت في الخليل أو الجولان السوري أو الضفة، ويقول «أبتسم وأشكر ولكني اعرف أني لن استمتع بهذه الأطايب فأنا لن أفتحها أبدا» ، ويضيف «يكفيني الاحباط اليومي في ضوء اهمال الحكومة (الاسرائيلية) في موضوع تفكيك المواقع الاستيطانية غير القانونية والتوسيع العفوي للمستوطنات. لا يزال الاختيار في يدي ان اشتري او لا اشتري انتاجهم، أنا أيضا أصبح في أقلية آخذة في الانحسار».
ووقع الحدث الذي اعتبره الكاتب الاسرائيلي «مفاجأة»، فيقول «حرصت دوما على ألا اشتري بيتا كان يسكن فيه في الماضي عرب طردوا او اضطروا الى المغادرة»، ويتابع «في الشهر الماضي دعيت الى بيتي صلاح، وهو حداد فلسطيني من شرقي القدس، للقيام بأعمال مختلفة، وسألني اذا كان بوسعه ان يأتي بأبيه الذي جاء للزيارة من خارج البلاد.
فجلس الأب الكبير في السن في الساحة بينما كان يعنى صلاح بإقامة السياج (...) قال لي الاب أنه يستمتع بجلوسه في ساحتي، اذ انه على مدى سنين طويلة لم يجلس هنا»، سأله ليطاني «من أين تعرف هذا المكان» فرد الأب «تربيت هنا»، واستطرد «في هذه القرية التي اضطررنا الى مغادرتها في العام 1948. كل شيء هنا حولنا كانت اراضينا. هنا، في ساحتك، كانت تنمو أشجار زيتون كنا نقطف ثمارها كل سنة. وبين القطاف والقطاف كنا نعتني بها ونلعب بينها ايضا. هنا في الأسفل، قرب شجرة الكينيا الكبيرة، كان بيت مختارنا. هو الآخر ترك، بعد وقت قليل من مغادرتنا».
«كنت مذهولا»، يقول الكاتب ، مضيفا «طوال السنين كنت واثقا، ان بيتي بني على ارض اشتريت من الكنيسة اليونانية الارثوذكسية». أنصت الى الفلسطيتني العجوز يقول بهدوء «لا، لا، هذه كانت أراضينا، في واقع الأمر، وأراضي جيراننا».
وتدخل أبن العجوز في الحديث مخاطبا الكاتب «من اجل السلام بين الشعبين نحن مستعدون لان نتنازل عن مُلكنا في القرية، المنازل والأراضي» ،الا أن الأب الذي يذكر أرضه «أطرق الى الأرض وهز رأسه بعدم رغبة وحزن كبير طل من وجهه».
القدس المحتلة ـ «البيان»