يحرص العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني منذ ثلاث سنوات على أن يكون «الصحن اللاقط» للمقبل من الأحداث إلى منطقة الشرق الأوسط. ليس لأنه يتابع أكثر من غيره من الحكّام العرب التطورّات في المحافل الدولية، بل أيضاً لأنه يُقدم على الحديث عن المستجدّ قبل زملائه في النظام العربي الواحد.

فعل ذلك حين كان أول من تحدث عن «الهلال الشيعي» في منتصف العام 2005 فأثار حوله عاصفة من التعليقات المستنكرة للتعبير الذي استعمله. لكنه لم يتراجع. اكتفى بالقول وصفه الهلال الذي يبدأ في إيران ويكمل نحو العراق وسوريا ولبنان، هو وصف سياسي لا مذهبي. حدث ذلك في الوقت الذي لم تكن فيه الإدارة الأميركية، فقدت أملها بالتواصل السياسي مع إيران في موضوع التخصيب النووي ولا مع سوريا في الحوار حول الصراع العربي ـ الإسرائيلي. يستطيع العاهل الأردني اليوم أن يقول بكل بساطة إن الصراع في المنطقة يدور حول عنوانه القديم ليس بالمعنى المذهبي، بل بالمعنى السياسي خاصة بعد انضمام حركة «حماس» الفلسطينية إلى «الهلال».

ذهب العاهل الأردني في الأسابيع الأخيرة إلى واشنطن في زيارة هي الثانية خلال أقل من سنة. ليلقي كلمة أمام كلية وودرو ويلسون للشؤون العامة والدولية في جامعة برنستون، حذّر فيها من مقدار المخاطر التي تتعرّض لها منطقة الشرق الأوسط ما لم يتم تحقيق اتفاقية سلام نهائية بحلول نهاية العام 2008. الجديد في رأي العاهل الأردني أن الدول العربية التزمت بالإجماع مبادرة سلام لا سابق لها. حدّد الملك عبدالله الثاني مواقع رفض السلام بثلاث: الأول: في إسرائيل من يعارض أي تحرّك نحو حل النزاع. وهناك سياسيون لا يريدون تحقيق السلام مع الفلسطينيين، كما انهم يرفضون حل الدولتين.

وأنا أخالفهم الرأي. فأمن إسرائيل لا يمكن أن يعتمد إلى ما لا نهاية على الاحتلال والجدران والقوة العسكرية. ان الأمن الحقيقي لإسرائيل سيتحقق عندما تغدو جاراً تعيش بين الجيران، واقتصاداً بين اقتصادات، وشعباً بين شعوب، تعمل معاً لتحقيق الأهداف المشتركة. الثاني: في أميركا، هناك أيضاً من يعارض أي انخراط إضافي. وهناك من يقول إن ما يجري في المنطقة لا شأن لأميركا به. وأنا أخالفهم الرأي حيث يعلم الجميع أن أهم الانجازات التي تحققت في تاريخ صنع السلام في الشرق الأوسط، تمت عندما دفعت الولايات المتحدة الأميركية بمفاوضات السلام قدماً حتى أوصلتها إلى غايتها.

الثالث: لابد من التأكيد على أن أي نصر يحققه أعداء السلام والحرية والاستقرار والاعتدال لا يمكن أن يعدّ خياراً. وإذا ما فوّتنا الفرص المتاحة اليوم، فسيتعرّض السلام لنكسة ربما تمتد عقوداً. وسيستمر المتطرفّون في العمل. وسيلحق الضعف بقوى التغيير الإيجابي. ولن يقف الانقسام عند حدوده بل ربما يتعمّق إلى مرحلة أكبر. وقد تتزايد عملية التشكيك في مدى فاعلية الغرب والتزامه. وهذه الأمور جميعاً سيكون لها نتائجها لا على منطقتي فحسب، ولكن على العالم أيضاً.

يبدو من الكلام الذي ورد في المحاضرة الملكية، أن محادثات العاهل الأردني مع الرئيس الأميركي جورج بوش لم تأت بنتيجة جديدة تجعله متفائلاً بمحادثات السلام المتقطعة بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية. كذلك الأمر مع المرشح الجمهوري والسيناتور جون ماكين الذي استقبله فور عودته من العاصمة الأميركية. لذلك ذهب العاهل الأردني إلى الأبعد في موقفه السياسي حين صرّح بأن فشل مباحثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين سيزيد طموحات إيران في المنطقة، التي استمالت بسياستها الفصائل الفلسطينية.

لم أقرأ في كلام العاهل الأردني سواء في المحاضرة أو في التصريحات اللاحقة، رغبة في المواجهة. بل على العكس يبدي الملك عبدالله الثاني تأكيده مراراً وتكراراً على أن حل المسألة الفلسطينية هو المفتاح الرئيسي لاستقرار منطقة الشرق الأوسط. ومن دون هذا الحل لا تتعرّض دول المنطقة فقط إلى اضطرابات لا تنتهي، بل ان السياسة الأميركية لم تعد قادرة على الاحتفاظ بصداقاتها مع دول المنطقة.

كما في السابق أياً كانت المظاهر التي تحيط بزيارات كبار المسؤولين إلى العواصم الصديقة لسياساتها. وكالة «مهر» الإيرانية لم تقرأ التصريحات الأردنية بهذه العين، بل وجدت فيما قاله العاهل الأردني مناسبة لكيل الاتهامات له. لا يعلم مسؤول الوكالة الإيرانية بالتأكيد مدى جدية التنسيق في العلاقات الثنائية بين الرئيس السوري والعاهل الأردني.

وان كان الملك عبدالله الثاني لم يعبّر عن خيبة أمله من نتائج زيارته إلى واشنطن، فهو حاول بالتأكيد فتح قناة حوار بين العاصمتين الأميركية والسورية فلم يستطع. وكذلك فعل بين المرشح الجمهوري جون ماكين والرئيس السوري فلم يوفّق أبداً. إذ ان السيناتور ماكين أكد استمرار بلاده تجاه سوريا حتى تراجع القيادة السورية سياستها في المنطقة وأولها بالطبع لبنان. إذا سقط مبكراً الرهان السوري على التسوية مع الإدارة الأميركية الجديدة في حال فوز السيناتور ماكين في انتخابات الرئاسة الأميركية وهو الأرجح.

لم يكن من الضروري سؤال ماكين عن موقفه، فهو لم يترك مناسبة منذ وصوله إلى المنطقة إلا وأشار فيها إلى موقفه الحاد الذي يتجاوز فيه حتى مواقف الرئيس الأميركي الحالي من سوريا وإيران حتى انه أصدر بياناً دعم فيه «ثورة الأرز» التي «وقفت في وجه الإرهاب الإيراني والسوري».

واكبت زيارة ماكين إلى المنطقة، جولة لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس على القاهرة وتل أبيب ورام الله. صادفت جولة الوزيرة الأميركية ثلاثة تطوّرات. الأول: إعلان تل أبيب وقف هجماتها على قطاع غزة مؤقتاً بانتظار ما ستسفر عنه جولة رايس والاتصالات الجارية في القاهرة بشأن الصواريخ المصنوعة محلياً. الثاني: الإعلان عن انتهاء زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى بغداد، بعد توقيعه تسعة اتفاقات مع حكومة نوري المالكي «الأميركية».

الثالث: الإعلان عن صدور قرار ثالث عن مجلس الأمن قضى بفرض عقوبات إضافية على طهران تتضمن حق تفتيش السفن المتوجهة من وإلى إيران. كذلك جال نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني على دول في المنطقة في الأسبوع الماضي، ليعطي الانطباع بأن ما حدّته في القرار الأميركي لا تزال مقرّرة، وليسمع زعماء مصر والسعودية والأردن وإسرائيل مخاوفهم من التمدد الإيراني. كيف يمكن لقمة عربية أن تعقد في مثل هذه الأجواء، إضافة إلى السؤال عن احتمال نجاحها في حال عقدت في دمشق؟

هناك نظريتان في شأن السياسة الأميركية المستجدّة في الشهور التسعة الأخيرة من ولاية الرئيس بوش:

النظرية الأولى تقول إن الإدارة قرّرت إعادة توجيه المسار وتشكيل أولوياتها على ضوء استهدافها لإيران وحلفائها طبعاً. إذ ان رأي الإدارة الأميركية هو ان أهم النتائج الاستراتيجية التي جاءت بها حرب العراق هي تقوية مكانة إيران، إذ يراقب البيت الأبيض بامتعاض العلاقة الوثيقة القائمة بين إيران وحكومة نوري المالكي التي سيطر عليها الشيعة.

وقد تمت مناقشة الاستراتيجية الأميركية الجديدة بخطوطها العريضة بشكل علني. ففي شهادة أدلت بها وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس في شهر يناير الماضي، قالت رايس إن هناك اصطفافاً استراتيجياً جديداً في الشرق الأوسط. وبعد أن ميّزت رايس بين الإصلاحيين والمتطرّفين، أشارت إلى أن الدول السنية تعتبر مراكز للاعتدال في حين ان إيران وسوريا وحزب الله «تقف على الطرف الآخر من الحد الفاصل». ثم أضافت تقول «إيران وسوريا اختارتا طريقهما وكان خيارهما هو زعزعة الأوضاع».

أهم اللاعبين وراء عملية «إعادة توجيه المسار» هم نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، ومساعد مستشار الأمن القومي اليوت ابرامز، والسفير الأميركي في الأمم المتحدة زلماي خليل زاد.

يصف الكاتب والصحافي الأميركي سيمور هرش في مجلة «نيويوركر»، الاستراتيجية الجديدة بأنها تحوّل هائل في السياسة الأميركية. أما فالي نصر الزميل الأقدم في مجلس العلاقات الخارجية الأميركية ومؤلف كتاب «صحوة الشيعة»، فيرى ان هناك جدلاً داخل الحكومة عن أيهما يعتبر الخطر الأكبر: إيران أم الراديكاليون السنة.

ـ مارتن انديك، سفير أميركا السابق في واشنطن مدير مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط في معهد بزوكينغز، يعتقد ان «الشرق الأوسط سائر قدماً إلى حرب باردة سنية ـ شيعية». ويرى «ان البيت الأبيض قد لا يكون مدركاً تماماً للمضامين الاستراتيجية للسياسة الجديدة»، فالبيت الأبيض في نظره «لا يكتفي بمضاعفة الرهان على العراق إنما هو يضاعف الرهان أيضاً على امتداد المنطقة، ومن شأن ذلك ان يقود إلى تعقيدات جمة ولا سيما أن كل شيء بات مقلوباً».

ـ مستشار الأمن القومي ستيفن هادلي، اقترح على الإدارة ان تحاول عزل المالكي عن حلفائه الشيعة الأكثر راديكالية عن طريق بناء قاعدة له بين صفوف الأكراد والسنة المعتدلين. لكن الأحداث حتى الآن تشير إلى سير الأمور بالاتجاه المعاكس.

ينقل هيرش عن فلينت ليفربت المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي «لا مصادفة هناك ولا مفارقة في الاستراتيجية الأميركية الجديدة بشأن العراق، فالإدارة تحاول أن تبرهن على أن إيران أكثر خطراً على المصالح الأميركية في العراق من المتمردين السنة، وهذا كله جزء من حملة استفزازية لزيادة الضغط على إيران على أمل أن يصدر رد فعل من الجانب الإيراني يفتح الباب أمام الإدارة الأميركية لتوجيه ضربتها لإيران».

ـ باتريك كلاوسون، المدير في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، يعتبر التعاون السعودي مع البيت الأبيض اختراقاً بالغ الأهمية، وهو يرى «أن السعوديين يدركون انهم إذا ما أرادوا من الإدارة الأميركية ان تقدم عرضاً سياسياً أكثر سخاء للفلسطينيين فان عليهم ـ أي السعوديين ـ ان يقنعوا الدول العربية بأن تقدّم عرضاً سياسياً أكثر سخاءً للإسرائيليين».

كلاوسون قال ان المقاربة الدبلوماسية الجديدة تظهر «درجة حقيقية من الجهد والعناية». ويتساءل كلاوسون «من الذي يتعرض لمجازفة أكبر نحن أم السعوديون، ان السعوديين يحتضنوننا في وقت تدنت فيه مكانة أميركا في الشرق الأوسط إلى الحضيض. وعلينا أن نكون ممتنين لذلك».

تعتمد عملية «إعادة توجيه المسار» العراق مسرحاً لاستقرار السياسة الأميركية في المنطقة. إذ ان استقرار العراق يفقد سوريا ورقة من أوراق المساومة مع أميركا. إذا انه بين كل جيران العراق فان سوريا هي الأضعف. فالسعودية لديها المال والقبائل، والمقام العربي والمقام الإسلامي. الكويت تملك المال، وللأردن علاقات قديمة مع المجموعات السنية. ولتركيا ورقة الأكراد. أما سوريا فلا يتجاوز دورها وصول الأصوليين للقتال هناك. لذلك جاءت دعوة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني إلى العرب للعودة إلى العمل السياسي داخل العراق.

النظرية الثانية تقول إن مهمة تشيني في المنطقة هي استكمال ما بدأه الرئيس بوش في زيارته الأخيرة إلى الشرق الأوسط. فمهمة تشيني الحقيقة في المنطقة تمهد لحرب جديدة أكثر مما تمهّد لتسوية يمكن التوصل إليها قبل نهاية العام 2008، فالإدارة الأميركية تدرك انه لم يبق أمامها سوى أشهر قليلة لحسم ملفات عدة لا تزال مفتوحة في الشرق الأوسط. وان هذا الحسم لم يعد ممكناً إلا بعملية جراحية كبيرة.

ورغم ان الإدارة الأميركية الحالية تدرك في الوقت نفسه انها عملية محفوفة بالمخاطر وربما تؤدي إلى قتل المريض بدلاً من شفائه، إلا أن رؤيتها الأيديولوجية لطبيعة الصراع في العالم وفي المنطقة، تجعلها تصور لها عدم وجود بدائل أخرى أفضل أو أقل كلفة.

فكل البدائل الأخرى تعني أن عليها أن تسلم بخسارتها للحرب في العراق، وبأن هذه الخسارة تفرض عليها تقديم تنازلات لإيران، تتعلق بسلاحها النووي، ولسوريا، تتعلق بالجولان، لـ «حزب الله» تتعلق بالمعادلة السياسية في لبنان، ولـ «حماس» تتعلق بالأراضي الفلسطينية المحتلة. ولأنه ليس من المتصور منطقياً ان تستسلم هذا الإدارة في كل هذه المواقع، فالاحتمال الأرجح أن تقامر بكل ما تبقى لديها من أرصدة.

من العلامات البارزة في هذا الاتجاه، ما نقلته صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، عن مسؤولين في وزارتي الدفاع والخارجية، ان المدمرات الأميركية ستبقى على حدود المياه الإقليمية اللبنانية حتى انتخاب رئيس جمهورية في لبنان. وان هذه الخطوة تمّت بالاتفاق مع السعودية.

من الطبيعي وسط هذه الأجواء أن يقترح أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى، تأجيل انعقاد القمة خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب في دمشق، وان يبذل جهداً سبق أن جرّبه مع الرئيس بشار الأسد ولم ينجح بإقناعه بالتأجيل. وبخاصة بعدما استعجل وزير الخارجية الليبي عبدالرحمن شلقم تحديد جدول أعمال القمة.

ففي مؤتمر وزراء الخارجية العرب الأخير في القاهرة، وقف الوزير شلقم مستغرباً النقاش السوري ـ السعودي حول انتخابات رئاسة الجمهورية في لبنان، وقال بصوتٍ عالٍ ان هناك احتلالاً إيرانياً لأراض عربية (الجزر الإماراتية الثلاث)، وان هناك سيطرة إيرانية تتوسع انطلاقاً من سوريا. ضحك وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، واقترح على موسى اصطحاب شلقم معه خلال زيارته المقبلة إلى بيروت.

ما لم يحدث التأجيل، ستكون القيادة السورية قد حققت من القمة انعقادها فقط بثلث الرؤساء والملوك العرب من دول الصف الثاني والثالث وربما زائد واحد. وهو ما لم تستطيع تحقيقه في الحكومة اللبنانية، لحلفائها.

نهاد المشنوق