تقف أوبايي ماري الحامل في شهرها السابع على بعد نصف متر من لغم صمم ليمزق أي جسم يزيد وزنه على ثلاثة كيلوغرامات ولكنه بالنسبة لها مجرد جزء من عمل اليوم.

وتقود ماري فريقا من النساء يعمل في إزالة الألغام لصالح منظمة «بيبولز ايد» النرويجية في واحدة من أكثر المناطق خطورة بجنوب السودان في الميل 38 الذي كان ميدانا للقتال إبان الحرب الأهلية. ويقع الميل 38 على بعد 61 كيلومترا من جوبا عاصمة الجنوب على خط النار في الحرب التي دارت رحاها لعقود من الزمن بين المتمردين الجنوبيين وأغلبيتهم من المسيحيين والوثنيين والحكومة المسلمة في الخرطوم. وسقط مليونا قتيل في الحرب وشرد أربعة ملايين قبل توقيع اتفاق السلام في العام 2005.

واليوم تحاول حكومة جنوب السودان التي تتمتع بما يشبه الحكم الذاتي إعادة بناء المنطقة التي تفتقر لأهم منشآت البنية التحتية. وتجري حكومة الجنوب استطلاعا للرأي بشأن الانفصال في العام 2011، وإزالة آلاف الألغام جزء مهم من جهود إعادة بناء المنطقة المدمرة حيث أدى تلغيم الطرق لصعوبة السفر ونقل السلع.

وتعترف ماري بأنها كانت «خائفة جدا» حين تعاملت مع أول لغم، لكنها بعد عامين أضحت مسؤولة عن سلامة مجموعتها وتفجير الألغام التي ترفع من المنطقة غير المأهولة. وتقول: بابتسامة انها «رفعت أكثر من 20 لغما حتى الآن. بل يمكنني ان احمله في يدي». وكان المواطنون يقطنون على طول هذا الطريق التجاري المهم.

ولكن عودتهم إلى المنطقة منذ انتهاء الحرب جاءت بطيئة نظرا لافتقارها للبنية التحتية ومخاوف من تجدد القتال وصفوف المتفجرات المخبأة على بعد سنتيمترات قليلة من سطح الأرض.

وذكر مكتب إزالة الألغام التابع للأمم المتحدة الذي ينسق مشروعات إزالة الألغام التي تنفذها عشرات الجماعات إن الألغام قتلت وأصابت أكثر من ألفين منذ نهاية الحرب. ويضيف أن الخسائر التي تحملها المزارعون لا تحصى.

وفي ظل الإدارة الجديدة ووجود دخل بين 5,1 و7,1 مليار دولار من حصة المنطقة من عائدات النفط توقع كثيرون في الجنوب الذين حرموا من الخدمات الأساسية بسبب الحرب أن يجنوا ثمار السلام. لكن اصابتهم خيبة الأمل، فلم يتغير الصراع اليومي من اجل البقاء بالنسبة لمعظم سكان المناطق الريفية، كما أن عودة اللاجئين تضغط بصورة اكبر على الموارد النادرة.

وأظهرت دراسة حكومية أن نحو 90 في المئة يعتبرون الفساد مشكلة رئيسية. كما أن السلام لا يزال هشا، ففي ديسمبر ويناير وقعت مصادمات بين قبائل المسيرية والجنود في منطقة ابيي الغنية بالنفط التي تمتد بشمال وجنوب السودان. ولا يزال توزيع عائدات النفط وترسيم الحدود من القضايا المثيرة للجدل. ولكن ماري التي فرت إبان الحرب إلى أوغندا المجاورة تؤمن بأن السلام سيصمد، وتقول إن فريقها يعمل «مثل الجنود. أثناء التدريب تعلمنا أن الخطأ الأول هو الخطأ الأخير».

وحتى الآن أزال فريق ماري وفريق آخر تابع لـ «بيبولز ايد» 205 ألغام ضد الأفراد و96 لغما مضادا للدبابات من حول الطرق الرئيسية التي تربط أوغندا بجوبا عاصمة المنطقة مترامية الأطراف التي تخلو حتى الآن من مزارع ضخمة أو مصانع.

ويقول لادو فيكتور من «بيبولز ايد» النرويجية إن النساء يتعلمن تقنيات إزالة الألغام بنفس السرعة التي يتعلم بها الرجال ولكنهن يتبعن التعليمات بدقة اكبر والمشكلة الوحيدة هي الحمل.

وفي النهاية ستترك ماري طفلها مع والدتها في قرية قريبة وهي تعترف بأنها تتعرض لضغوط متزايدة لترك هذه المهمة التي ينظر إليها على أنها خطيرة وخاصة بالرجال. وتضيف: «يقول كثيرون لزوجي ان عليه ان يمنعني ولكني لا أبالي». (رويترز)