قبل 25 عاماً من اليوم أعلن الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان «مبادرة الدفاع الاستراتيجي» التي دشنت مرحلة «حرب النجوم» مع الاتحاد السوفييتي السابق. وقال ريغان في خطاب للشعب الأميركي وللعالم، وبالتحديد الاتحاد السوفييتي آنذاك، «إن المبادرة هدفها حماية الولايات المتحدة من هجوم نووي بالصواريخ الباليستية، وإن المبادرة تركز على الدفاع الاستراتيجي، لا الهجوم الاستراتيجي».

وفي العام التالي 1984 تم إنشاء «منظمة مبادرة الدفاع الاستراتيجي» ضمن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) للإشراف على المبادرة ومتابعة تطويرها، وصولاً إلى المرحلة التي تكون فيها جاهزة للتطبيق والتنفيذ عند الحاجة، لكن فترة الرئاسة الثانية للرئيس ريغان التي انتهت في يناير 1989، لم تشهد تقدماً على طريق إنجازها.

وكان كل ما تحقق أن البحوث التي جرت في إطارها فتحت الباب للنظام الدفاعي المعروف الآن باسم «النظام المضاد للصواريخ الباليستية» الذي اتسع نطاق هدفها ليغطي مجالاً عالمياً وإقليمياً وليس فقط حماية الولايات المتحدة من هجوم صاروخي نووي.

ولم يلق هذا النظام حماسة كبيرة للمضي في أبحاثه خلال فترتي الرئاسة للرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، لكن فريق الصقور المتشددين الذين كانوا وراء إطلاق «حرب النجوم» ومنهم وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد ظلوا خلال التسعينات يعملون ويجهزون أنفسهم ويشكلون «لوبي» للعودة لاستئناف تطوير النظام، مع أن الحاجة إليه قد انتفت بانهيار الاتحاد السوفييتي، الذي كان يشكل الخطر والعدو الذي يهدد الولايات المتحدة والعالم.

وبالفعل ما إن تولى الرئيس الحالي جورج بوش الرئاسة حتى بدأ هذا الفريق، الذي كان تعيين رامسفيلد وزيراً للدفاع هدية كبرى لشركات صناعة الأسلحة والمحافظين الجدد، في التحضير للعودة إلى الحرب الباردة بأي شكل كانت.

وبالعودة إلى مبادرة الرئيس ريغان، فإن هذا الحلم كان يراوده قبل أن يتولى الرئاسة، بل عندما كان في الحزب الديمقراطي قبل أن يتركه ويتحول إلى الحزب الجمهوري إذ كان يحلم باستخدام الفضاء مسرحاً ومنطلقاً لحماية الولايات المتحدة من الاتحاد السوفييتي الذي أطلق عليه اسم «إمبراطورية الشر»، وظل يهيمن عليه طوال سنوات رئاسته، ويخشى أن تتعرض الولايات المتحدة لإبادة بالأسلحة النووية.

وبدأ ريغان التمهيد لمبادرته «حرب النجوم» في العام 1979، عندما كان حاكماً لولاية كاليفورنيا، بل وقبل ذلك، عندنا بدأ حاكماً لولاية كاليفورنيا، بل وقبل ذلك، عندما بدأ يتأثر «بأفلام» الخيال العلمي عندما كان منتمياً للحزب الديمقراطي، أيام كان يمتهن التمثيل السينمائي الذي لم يفلح فيه كثيراً.

ولم تلق مبادرة «حرب النجوم» الريغانية، التي تميزت بأنها تستخدم قواعد في الفضاء لاعتراض الصواريخ المعادية الموجهة للولايات المتحدة وتديرها قبل وصولها أهدافها .. بل لقيت معارضة، وأثارت جدلاً كبيراً، فقد وصفها السناتور تيد كيندي في منتصف الثمانينينات، بأنها «عدمية»، استهتارية، ومن أفلام الخيال العلمي، وباهظة التكاليف، وغير مضمونة النتائج»، لكن الصقور المحافظين، وراء المبادرة ظلوا مصرين على المضي في الترويج لها.

مما دفع الاتحاد السوفييتي للدخول في سباق مماثل، وفي هذا الشأن قال البعض من مؤيدي المبادرة، إن الرئيس ريغان نجح في تحقيق هدفه وحقق الحلم الذي راود كثيرين وهو انهيار الاتحاد السوفييتي، الذي تم إعلان انهياره وتفكيكه رسمياً في 31/12/1991، ومعه انتهت الحرب الباردة التي كان من المفروض ان ينتهي معها سباق التسلح الذي كان دائراً في إطار الحرب الباردة بين المعسكرين «الاشتراكي» بزعامة الاتحاد السوفييتي و«الامبريالي» بزعامة الولايات المتحدة.

وبعد عشر سنوات تقريباً في 31 يناير العام 2001، عندما تم اختيار رامسفيلد وزيراً للدفاع في رئاسة الرئيس جورج بوش الحالي، رأى كثيرون من الخبراء العسكريين في هذا التعيين انتصاراً لليمين المحافظ وصقوره، أو ما يسمى بالمحافظين الجدد، ومؤشراً على الاهتمام بالعودة إلى «حرب النجوم» تحت مسميات جديدة مثل «الدرع الصاروخية الدفاعية»، كما أطلق عليها في بداية رئاسة بوش، وحمل رامسفيلد لواء السير قدماً في هذه المبادرة المشابهة إلى حد كبير لمبادرة ريغان.

وجوبهت المبادرة بانتقادات كبيرة ومعارضة، وبدت معها المهمة الموكلة لوزير الدفاع الجديد رامسفيلد، بأنها مهمة مستحيلة. لكن اللوبي القوي جدا الذي وقف وراء رامفسيلد ساعده ودعمه في الترويج للنظام الجديد، الذي يهدف لحماية الولايات المتحدة من هجوم بالصواريخ النووية بعيدة المدى من دول من العالم الثالث مثل كوريا الشمالية وإيران بعدما تراجع خطر ما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي.

وكانت الانتقادات تنصب على التكاليف الباهظة، وعدم واقعية، وإمكانية نجاح مثل هذه الاستراتيجية وتعددت الانتقادات إلى الذريعة القائلة بأن دولا مثل إيران وكوريا الشمالية قد تهاجمان الولايات المتحدة، وهي ذريعة دعمتها تقارير أجهزة الاستخبارات بأن البلدين قد يمتلكان السلاح النووي في غضون 10 سنوات من العام2001.

ورد خبراء عسكريون على هذا الاحتمال بالقول إنه «مبالغ فيه كثيراً» وهو تضخيم لتهديد نووي وهمي»، إذ من غير الواقعي أن يسعى بلد في العالم الثالث لامتلاك سلاح نووي وصواريخ بعيدة المدى، مثل إيران وكوريا الشمالية، لضرب أهداف على الأرض الأميركية. لأن المصدر الذي سيطلق هذه الصواريخ مدرك تماماً، بأنه سيتعرض لرد أميركي ساحق، قد يمحوه من الوجود.

وحذر الكثيرون من أن الهدف المقصود من العودة إلى مثل هذه المبادرات هو روسيا، وإن ذلك قد يطلق شرارة حرب باردة وسباق تسلح جديد.

كانت مبادرة «حرب النجوم» التي أطلقها الرئيس ريغان، حتى وان كانت خيالية أدت إلى إنهاء الحرب الباردة، وفتحت الباب أمام ما يسمى «النظام العالمي الجديد». لكن الصقور واللوبي الداعم لاستمرار «حرب النجوم» «لوبي حرب النجوم» وهو مؤلف من حوالي 100 شخصية، تضم مدراء لكبريات شركات الصناعات العسكرية.

وزعماء كونغرس سابقين ومسؤولين عسكريين كبار سابقين يسيرون قدماً في «حرب النجوم» تحت مسميات تتغير بين فترة وأخرى، ومهما كانت النتائج والتي أولها كما يبدو تصاعد الخلاف التدريجي بين الولايات المتحدة وروسيا حاليا، بسبب الدرع الصاروخية التي تريد نشرها الولايات المتحدة في بولندا والتشيك،.

وتبررها للدفاع في وجه هجمات بالصواريخ من إيران أو كوريا، لكن هذا لم يجد قبولا لدى موسكو، وهو ما عكسته محادثات وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ووزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس مؤخرا في موسكو. وربما يؤدي إلى العودة إلى حرب باردة جديدة، وسباق تسلح جديد.

واشنطن ـ محمد صادق