لم يتعرض الأرشيف العراقي إلى كارثة حقيقية مثل تلك التي حلت به بعد احتلال بغداد، سوى كارثة الغزو المغولي للمدينة في القرن الثالث عشر، حتى أن بضعة آلاف كتاب ومخطوطة نادرة التي نجت من ذلك الغزو وجرى تداولها والحفاظ عليها في دار الكتب والمخطوطات العراقية، نهبت بعد ذلك بسبعة قرون نتيجة الاحتلال الأميركي والانفلات الأمني الذي نجم عنه، على الرغم من المحاولات المستميتة التي تبذل هنا وهناك لإعادة وتجميع ما تبقى أو سرق.
يجري الحديث عن مئات الحاويات من الكتب وملايين الوثائق العراقية التي شحنت بالسفن إلى أميركا بدعوى توثيق جرائم صدام حسين، أو المحافظة عليها، إلا إن تلك الحاويات المبحرة لم تعرف طريق العودة حتى يومنا هذا.
في الوقت الذي كانت فيه القوات الأميركية تطأ أرض العراق، أعلنت حكومتها في واشنطن، عن أن صدام حسين لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل، لكن الخمسين ألف صندوق من أرشيف الحكومة العراقية والحكومات التي سبقتها، مازالت في الولايات المتحدة، على الرغم من أن تلك الحاويات كانت شحنت بدعوى البحث عن أدلة تثبت وجود أسلحة دمار شامل، وبالتالي فإن الحاجة إليها قد انتفت منذ أكثر من خمس سنوات.
الأمر نفسه ينطبق على حاويتين كبيرتين تحويان ما مجموعه سبعة ملايين وثيقة من دوائر حكومية وأمنية جمعت بواسطة الباحث العراقي المقيم في الولايات المتحدة كنعان مكيّة، الذي ترأس منظمة الذاكرة العراقية، حيث صورت جميع هذه الوثائق وجرى مسحها ضوئياً، وحولت إلى ملفات إلكترونية، لكن أصولها لم تعد إلى العراق حتى الآن.
وثائق وحرائق
وبالنسبة لسعد إسكندر، مدير المكتبة الوطنية العراقية الحالي، فإن جميع هذه الوثائق يجب أن تعاد إلى العراق، لأنها وثائق وأرشفة الشعب العراقي، يقول إسكندر بحسرة« لقد خسرت المكتبة الوطنية العراقية، وبالتالي الذاكرة العراقية، آلاف الكتب والوثائق المهمة والنادرة التي تتعلق بتأريخ الدولة العراقية والمنازعات الحدودية وحقوق الملكية الوطنية وسجلات المحاكم، لقد تم جمعها بطريقة عشوائية أثناء الأحداث وإشعال النيران فيها من دون دراية، من بينها مائتا ألف كتاب جمعت في أحد المساجد وأشعلت فيها النيران، وثمة أربعون ألف كتاب أخرى كانت نقلت إلى مصلحة السياحة قبل الغزو بمدة قصيرة، عثر عليها لا حقاً في أحد الأقبية الغارقة بالمياه».
وهكذا تكتمل اللعنة على الوثائق والمخطوطات العراقية، وحتى البقية الباقية التي نجت لسبب أو لآخر، جرى تهريبها إلى خارج البلاد بدفع من دوائر خارجية وتجار كتب، ويقدر إسكندر عدد الكتب والوثائق والمخطوطات المسروقة، أو تلك التي صودرت بواسطة الأميركان، بأكثر من 60% من أجمالي الوثائق والمخطوطات، على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلت لجمع واسترجاع وإعادة شراء آلاف منها، لكنها تبقى، على الرغم من ذلك، أقل أهمية من تلك التي ما تزال مفقودة.
ويعمل إسكندر مع مجموعة صغيرة من موظفيه في المبنى المحترق الذي يقع في منطقة صراع خطرة، بعد أن نجحوا في ترميمه وتزويده بعدد من الأجهزة الإلكترونية، يقول المدير الشاب ذو الأصول الكردية، الموظفون خائفون، إننا نسمع إطلاق النار والانفجارات بشكل يومي تقريباً.
فقد سبق أن داهم الأميركان المبنى مرتين وأثاروا الرعب وبعثروا محتويات المكاتب، إلا أن إسكندر وموظفيه ماضون في عملهم بصبر وحذر، لكن بخوف أيضا، فقد تحدى الرجل الكثير من الصعاب ونجح حتى الآن بإعادة الكثير من الكتب والوثائق المهمة، كما إنه فاز بجائزة الأرشفة للعام 2007 التي تمنحها اليونسكو، وهو سعيد بعمله على أية حال، إذ يقول، إنك عندما تحمي مكتبة وطنية فإنك تحمي ذاكرة شعب بأكمله.
ولطالما كتب تأريخ العراق بأيدي الأجانب، وفق توجهات وغايات محسوبة، وحتى تعيد الأجيال المقبلة كتابة تأريخ البلد بشكل صحيح، لا بد أنها ستحتاج إلى وثائق، كما أن مستقبل الشعوب وحضارة البلدان لا تبنى بالأمن وحده.
لهذا فإن حاويات الوثائق التي أبحرت أو طارت إلى أميركا، يجب أن تعود إلى حاضنتها وموطنها الأصلي، مهما كانت المبررات والأسباب التي سيقت لتبرير مصادرتها والاستحواذ عليها، بما فيها حاويتا كنعان مكيّة، التي أخذها بموافقة الحكومة العراقية السابقة وتقبع الآن في مخازن معهد هوفر الأميركي منذ أكثر من خمس سنوات، ذلك لأن بغداد لم تنته بعد من تصفية الحسابات، كما يعتقد الأميركان والسيد مكيّة، أو بكلمة أدق، كما يبررون.
أمستردام ـ محمد حيّاوي
