تحتفل العديد من الشعوب بيوم الحادي والعشرين من مارس كل عام تحت مسميات مختلفة وإن كانت تتفق في رمزيته العامة، فالمصريون يحتفلون في هذا اليوم بـ «عيد شم النسيم»، وهو عيد قديم تعود جذوره إلى العهد الفرعوني. والإيرانيون يحتفلون به تحت اسم عيد «النيروز»، وهو يصادف السنة الجديدة عندهم.

ويحتل عيد النيروز أو الربيع مقاماً كبيراً في بعض الدول، حيث لا يزال أمره كذلك منذ أقدم العهود إلى يومنا هذا. ومن عراقته هذه تبرز أهميته، كما أن هذا الإخلاص الشديد لتقاليده اكبر دليل على أصالته، حتى ليبدو من العجب أن نراه مازال يثبت وجوده في القرن الحادي والعشرين، أي في هذه الفترة المضطربة من التاريخ الروحي للإنسانية.

وقد بقيت تلك التقاليد على حالها، لم يتغير منها إلا شيء طفيف، فهي ما زالت تحافظ على مظاهرها العامة التي كانت عليها منذ آلاف السنين.

يعود تاريخ الاحتفال بهذا العيد في العراق وإيران إلى الحضارة البابلية والسومرية حيث ظل العراقيون يحتفلون بهذا العيد لحوالي ثلاثة آلاف عام حتى انتشار المسيحية. فقد سماه السومريون (زكموك) وفي بابل ونينوى(اجيتو ـ الحج) أي عيد رأس السنة.

ويبدأ في أول يوم من السنة حسب التقويم العراقي الذي يعتبر يوم المنقلب الربيعي ويصادف الآن (21 مارس) حيث تنبثق الحياة ويظهر الربيع، فقد كان الكاهن العراقي الأعظم يصلي لما يسمى الإله (مردوخ) وفق اعتقادهم في تلك الفترة الذي يزعم أنه اله النور ويقوم الكهنة الآخرون بالطقوس الدينية الأخرى لأيام متتالية.

ويستمر العيد لعشرة أيام تتلى خلالها أسطورة الخليقة وتقدم الصلوات والقرابين كما كان الملك يقدم تقريرا عن إنجازاته في السنة المنصرمة، ويطلب من الإله المغفرة لذنوبه وآثامه.

ويُذبح ثور أبيض رمز الفحولة ليسقي دمه الأرض وتنظم مسيرة ضخمة في شارع الموكب حيث يتم إحراق دمى ملونة بعد الانتهاء من المراسيم الرسمية. وفي اليوم العاشر يتم الاعتراف بشرعية حكم الملك من قبل الإله مردوخ.. وخلال أيام العيد يعم الفرح بين الناس وتباح الكثير من الممنوعات.

انتقلت تقاليد الاحتفال بهذا العيد إلى الشام مع انتقال الميراث السومري إلى الساميين إلا أنه لا يقتصر تأثير هذا العيد عند هذا الحد بل يظهر أيضا بشكل واضح في احتفال المسيحيين بعيد (الفصح ـ أي الطبيعة التي تفصح وتتفتح في الربيع) الذي يعتبره المسيحيون عيد القيامة، وقد اعتبره الخلفاء العباسيون عيدا رسميا ولكن مع تبني اسمه الفارسي (نيروز) وأصبح الاحتفال بهذا العيد أمرا شائعا ورسميا.

ويحتفل الشعب الكردي بهذا اليوم الذي يطلق عليه اسم «النوروز» منذ آلاف السنين، ويعتبر عيداً قومياً ووطنياً، وتعني كلمة «النوروز» باللغتين الكردية والفارسية اليوم الجديد، وهو اليوم الأول للعام الشمسي الجديد، واليوم التاسع لشهر مارس حسب التقويم اليوناني ويرمز إلى قدوم الربيع أو بداية الخير، وهو اليوم الذي يتساوى فيه الليل مع النهار.

ويرتبط هذا العيد عند الأكراد بأسطورة تقول إن الشعب الكردي هب في هذا اليوم منتفضاً تحت قيادة حداد كردي يدعى كاوا ضد ظلم ملك فارسي يدعى «الضحاك» أنبتت الآلهة، وفق الأسطورة، على كتفيه ثعبانين عقابا له، وكان هذان الثعبانان يتغذيان على أدمغة الأطفال، وكان على الأكراد أن يقدموا كل يوم ضحيتين لطعام الثعبانين.

ولما جاء الدور على كاوا الحداد ثار هو ومن معه من الشعب بوجه الملك الظالم فقتلوه وألقوه في لهيب نار محرقة وخلصوا الشعب من شروره وجبروته، ونصب على العرش حاكم جديد، باسم فريدون، من نسل شيدين، وقد عم في عهده الخير والحرية والبركة. وحينما يحتفل الشعب الكردي في هذا اليوم، إنما يعبر عن مباهج هذا اليوم المجيد في تاريخه.

وعلى الرغم من وجود أساطير مختلفة حول سبب الاحتفال بهذا اليوم، إلا أنها جميعاً تحمل تفسيرات مفادها حتمية النور على الظلام، والعدالة على الظلم والاستبداد. ولكن مهما كان السبب، سواء الفرحة بنهاية عذابات برد الشتاء القارس، وحلول فصل الربيع الجميل، أو فرحة التحرر من حكم الظالم الجائر وانتزاع الحرية وانتشار الطمأنينة، فإن هذا اليوم أصبح تقليداً خالداً يحتفل به الأكراد كل عام منذ العام 612 قبل الميلاد.

وفي ليلة 21مارس من كل عام يبدأ الأكراد احتفالهم بليلة عيد النوروز بإشعال النيران وعقد حلقات الدبكة والرقص حولها لتحتضن الحارات والمنازل الفعاليات الشعبية العامة التي يشارك فيها الصغير والكبير ليتحضروا في اليوم التالي للخروج إلى الطبيعة معتبرين أن اليوم الأول في فصل الربيع سيبشر بيوم جديد يحقق أماني الأكراد وتطلعاتهم. ويعكس اللباس الكردي الزاهي في ألوانه ألوان الربيع فتتحول الفتيات والفتيان والأطفال الصغار إلى فراشات متنقلة في ربيع النوروز يهنئون بعضهم البعض بهذا الاحتفال المتكرر والمتجدد.

وفي السنوات الأخيرة اكتسب هذا الاحتفال أهمية خاصة لدى أكراد العراق نظراً لما حققوه من انجازات سياسية بدأت في أعقاب حرب الخليج الأولى عام 1991 عندما فرضت قوات التحالف المنتصرة في الحرب منطقة حظر الطيران العراقي في شمال العراق وأخذ إقليم كردستان العراق يمارس شكلاً من أشكال الحكم الذاتي سمح لهم باستخدام لغتهم في المؤسسات العامة وتطبيق مناهج دراسية كردية ورفع العلم الكردي على المؤسسات الحكومية في الإقليم.

وفي أعقاب ما عرف بحرب تحرير العراق التي أسفرت عن إسقاط نظام صدام وتشكيل حكومة ضمت أطياف الشعب العراقي كافة، شارك الأكراد في الحكومة العراقية وحصلوا على مناصب رفيعة فيها. وهذه الفترة تعتبر بالنسبة للأكراد الأفضل منذ عشرات السنين.

بل إن بعض المراقبين يرى أن الأكراد باتوا أقرب إلى تحقيق حلمهم بتقرير المصير وإقامة دولة كردية مستقلة من أي وقت مضى.

لكن المشكلة التي تقف في طريق تحقيق هذا الحلم، والتي يعيها الأكراد جيداً تتمثل في تمزق أماكن وجود الأكراد بين عدة بلدان مجاورة، فهناك جزء كبير يقع ضمن الأراضي التركية، وجزء في الأراضي السورية وآخر في إيران، بالإضافة إلى إقليم كردستان العراق.

وهناك مصالح لهذه الدول الكبيرة تمنع قيام كيان كردي مستقل، بل إن هذه التطلعات الكردية تواجه برفض شديد من قبل تلك الدول وبخاصة تركيا التي تحتضن القسم الأكبر من الشعب الكردي، حيث يدور صراع منذ سنوات طويلة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني الذي اختار العمل المسلح طريقاً لتحقيق أهدافه.

وعلى الرغم من الانقسامات في الساحة الكردية والتي وصلت في وقت من الأوقات إلى الصراع المسلح كما كان الحال بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، إلا أن العيد الوطني يوحد الأكراد في كافة أماكن تواجدهم.

حيث يحتفلون به كل حسب ظروفه مع الحفاظ على المظاهر نفسها التي تعكس التمسك بالجذور والتقاليد الشعبية المتوارثة وتؤكد التمسك بالحلم القومي.

كتب ـ ضرار عمير