من بين مجمل أيام العام يكتسب يوم الحادي والعشرين من مارس أهمية خاصة إزاء تعدد أحداثه على نحو أكسبها بعداً تاريخياً وتحولت معه إلى مناسبات للاحتفال على الصعيد العالمي. وإذا كان المثل يقول:(كل يغني على ليلاه)، فإن سمة هذا اليوم أنه وحد إلى حد كبير بين ليالي البشر، فأصبحوا جميعاً يتشاركون في هموم وأفراح واحدة جمع بينها يوم الحادي والعشرين من مارس.
وتظهر هذه السمة بصورة كبيرة إزاء الصعوبة التي قد يجدها المرء في محاولة سرد وحصر الأحداث الهامة التي شهدها هذا اليوم. فمن مولد أبرز شعراء ألمانيا جوته عام 1749 إلى 1801 هزيمة نابليون بونابرت في معركة الإسكندرية آخر معاركه مع الإنجليز مروراً ببدء المهاتما غاندي العصيان المدني في الهند احتجاجاً على سياسة التمييز العنصري التي تنتهجها بريطانيا، إلى تخصيص هذا اليوم ذاته في عام 1966 كيوم عالمي للتمييز العنصري. ولا تقتصر مناسبات هذا اليوم عند هذه الأحداث الهامة وإنما تمتد إلى تشكيل الجامعة العربية عام 1945، ووقوع معركة الكرامة بالأردن عام 1968.
ويتوج احتفالات هذا اليوم تلك الفرحة التي تسود في دول عديدة على أهم مناسبة لدى الكثيرين ذات معنى إنساني عميق وهي عيد الأم، إلى جانب الاحتفال بعيد الشجرة في إطار الحفاظ على البيئة. فضلاً عن الاحتفال بالعيد القومي للأكراد. في هذا الملف نستعرض مجموعة من الاحتفالات ونُسلّط الضوء عليها وقد اخترنا أبرزها يتابع القارئ تفاصيلها في سطور صفحات هذا الملف.
*** في يوم الخميس الموافق 21 مارس 1968، أي قبل أربعين عاماً، حقق العرب أول انتصار عسكري لهم ضد إسرائيل منذ قيامها عام 1948، ذلك الانتصار الذي سمي ب«يوم الكرامة» أو معركة الكرامة» في الأردن. قيمة هذه المعركة أنها أفرزت انتصاراً جاء بعد هزيمة عربية مروعة في حرب يونيو 1967، تلك التي خسر فيها العرب سيناء والجولان والضفة الغربية وغزة والقدس الشريف. وأطلقت يد إسرائيل في المنطقة كأقوى دولة عسكرية. كما تجلت قيمة هذه المعركة في أنها كانت تجسيداً للعمل العسكري العربي المشترك بين المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني ميدانياً، إلى جانب الجهد الاستخباراتي العراقي، وهو ما افتقده العرب قبل «الكرامة» عملياً.
كانت «الكرامة» أيضاً هي أول مواجهة عسكرية حية وحقيقية بين الجندي العربي والجندي الإسرائيلي، وهي أيضاً أول معركة يرفع فيها شعار «الله أكبر» الذي ردده المقاتلون العرب، واستعانوا فيه بقوة الله ومدده على التفوق العسكري الإسرائيلي، فكان الانتصار في «معركة الكرامة» انتصاراً عسكرياً ومعنوياً وتعبوياً، أطلق القدرات العربية التي انكفأت على نفسها بعد هزيمة يونيو، لتثبت لنفسها أولاً وللعالم كله أن العربي قادر على الانتصار، وأن إسرائيل يمكن هزيمتها إذا أحسن العرب الإعداد والتخطيط، وهو ما تجلى عملياً. فيما بعد في حروب الاستنزاف، وأكتوبر 1973، ويوليو (تموز) 2007، بين حزب الله وإسرائيل. لقد كانت «الكرامة» هي المختبر العربي الذي فرخ ما جاء بعدها من انتصارات، وأطلقت الهزائم باتجاه إسرائيل، لتدخل في دمائها، وتصبح جزءاً من بنيتيها العسكرية والنفسية.
تطورات الأحداث
بعد فشل الجيوش العربية في حرب يونيو 1967، انتقل العمل العسكري من يد الجيوش إلى الشعوب، حيث المقاومة الفلسطينية بقيادة «حركة فتح»، لكن إسرائيل أدركت خطورة استمرار المقاومة والنضال في الروح العربية، لذا عمدت أيضاً إلى توجيه ضربات زمنية وعسكرية إلى المقاومة الفلسطينية، فقامت بمطاردة مقاتليها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفككت كثيراً من بنيتها العسكرية، واعتقلت الكثير من عناصرها، حيث قدر عدد المعتقلين آنذاك بما يزيد على المئتي مقاتل في الضفة الغربية وحدها. وهو ما كان ينذر بالخطر على قوة المقاومة التي كانت في بداية الطريق ولا تزال بنيتها غير صلبة.
أدركت المقاومة الفلسطينية هذه المخاطر، وأدركت ما تريده إسرائيل من نشر لروح الهزيمة، وهنا كان القرار بالانتقال إلى الأردن لإعادة بناء قدراتها، واتخذت من غور الأردن مسرحاً لتحقيق هذا الهدف، ونقطة إنطلاق لشن عملياتها العسكرية ضد إسرائيل، وبالفعل نجحت المقاومة الفلسطينية في إهانة إسرائيل عسكرياً وأمنياً وإعلامياً، إقليمياً وعالمياً.
وكان العالم وقتها يموج بحركات المقاومة الوطنية، فكان التعاطف واسعاً عالمياً مع أعمال المقاومة، على خلاف ما هو جارٍ في أيامنا هذه، فلم يكن أحد يجرؤ آنذاك على وصف المقاومة بالإرهاب، فكانت المقاومة تسمى مقاومة.
نجحت المقاومة الفلسطينية في إنشاء أكثر من خمسين قاعدة سرية وشبه سرية في غور الأردن، وزودت هذه القواعد بالأسلحة التي حصلت عليها من مصر والأردن وسوريا والعراق. ووجهت المقاومة إلى إسرائيل نحو 79 ضربة عسكرية موجعة، أدت إلى مقتل وجرح 518 عسكرياً إسرائيلياً وتدمير نحو 42 آلية عسكرية، وقصف عكا وضواحي القدس وتل أبيب بالصواريخ ومدافع الهاون خلال الفترة من أغسطس 1967 وحتى منتصف مارس 1968، فيما بلغت خسائر المقاومة ستة وأربعين شهيداً وأسيراً.
وما ساعد المقاومة على تحقيق هذه الانتصارات ذلك الدعم الذي لقيته شعبياً ورسمياً من الدولة الأردنية ومن الجماهير الفلسطينية التي احتضنت المقاومة في أرض الهجرة الثانية، فقد ضمت منطقة غور الأردن، وتحديداً منطقة الكرامة، العديد من مخيمات الطوارئ الفلسطينية، فكانت الأرض خصبة شعبياً لإنشاء معسكرات التدريب العسكرية، وخصبة أيضاً من حيث الموقع الجغرافي لشن حرب عصابات ضد إسرائيل، حيث تمتلئ المنطقة بالأشجار والمزروعات التي تمكن المقاتلين من سرية الحركة وتحقيق عنصر المفاجأة ضد العدو الإسرائيلي.
وهكذا استطاعت المقاومة إفساد أهداف إسرائيل ومنعها من نشر اليأس في نفوس الشعوب العربية، بل وقدمت المثال على قدرة الحروب الشعبية (على خلاف الرسمية) في إيلام إسرائيل وإنزال الخسائر بها.
وكان هذا الفشل الإسرائيلي في مقابل النجاح العربي هو نقطة التحول ضد الأردن، إذ قررت إسرائيل القيام بحرب إجهاضية واسعة لتدمير القدرات العسكرية الفلسطينية ومعاقبة الأردن على سماحه بالعمل الفدائي الفلسطيني ضدها انطلاقاً من أراضيه.
ولم يكن هذا هو الهدف الوحيد لإسرائيل، إذ كانت أيضاً تخطط لإقامة منطقة عسكرية عازلة (على غرار ما فعلته فيما بعد في جنوب لبنان)، وذلك باحتلال تلال السلط، حيث «الكرامة» والضغط منها عسكرياً على الأردن، ربما لإجباره على توقيع معاهدة صلح منفرد.
التصعيد العسكري
قبل أيام من معركة الكرامة قال رئيس الحكومة الإسرائيلي ليفي أشكول أمام الكنيست الإسرائيلي إن الأردن لا يفعل شيئاً لمنع انطلاق الفدائيين الفلسطينيين من أراضيه، وكان هذا التصريح بمثابة إعلان بأن إسرائيل ستتكفل من جانبها بضرب المقاومة، ما دام الأردن لا يفعل ذلك، وهو القول نفسه الذي ردده ارييل شارون ومن بعده يردده اليوم ايهود وأولمرت بشأن السلطة الفلسطينية وعدم قدرتها على منع العمليات الاستشهادية والصواريخ ضد إسرائيل من غزة، وهكذا بررت إسرائيل عدوانها في الماضي وتبرر مجازرها في غزة والضفة هذه الأيام وما قبلها، لأنها تكرر جرائمها وفق استراتيجية واحدة، وباختلاف الأشخاص والأزمنة.
وبعد ليفي أشكول صرح موشي دايان وزير الحرب الإسرائيلي وقائد انتصارها على العرب في حرب يونيو 1967 لحشد من الصحافيين في أريحا أنه سوف يدعوهم لشرب الشاي معه فوق مرتفعات السلط الأردنية، في رسالة تهديد واضحة إلى الأردن وقيادته ممثلة في الملك حسين.
وانطلاقاً من هذه الغطرسة الصهيونية، أعدت إسرائيل خطتها وحشدت قواتها للهجوم على الأردن، وفي المقابل تجمعت نذر هذه الخطط والحشود في غرفة عمليات الجيش الأردني ولدى القيادات العسكرية والسياسية للمقاومة الفلسطينية، فتم اتخاذ إجراءات مضادة تمثلت في التنسيق بين الطرفين عسكرياً على كل المستويات، والاتفاق على أماكن تمركز قوات المقاومة وقوات الجيش الأردني.
في دراسة له عن «معركة الكرامة» يقول اللواء نزار عمار مدير المركز الفلسطيني للدراسات الأمنية والاستراتيجية: قبل بدء المعركة بثمان وأربعين ساعة طلب رئيس أركان الجيش الأردني عامر خماش، وقائد الجيش العراقي في الأردن حسن النقيب، الالتقاء مع القيادة الفسلطينية، وانتدب ياسر عرفات وصلاح خلف (أبو إياد) للقائهما. وفي اللقاء تم إبلاغهما بالاستعدادات العسكرية الإسرائيلية للهجوم على طول الجبهة، وطلب منهما إخراج قوات المقاومة الفلسطينية من «الكرامة» حفاظاً عليها، لكن أبا عمار (ياسر عرفات) وأبا إياد رفضا، وأكدا أن قرارهما وقرار حركة فتح هو الثبات والقتال ودعم الخروج من «الكرامة»، التي توقعها الجميع مكاناً للمعركة، وكان رد أبو عمار: «إننا نريد أن نقنع العالم أن هناك في الأمة العربية من لا ينسحب أو يهرب (من مواجهة إسرائيل)، ولنمت تحت جنازير الدبابات، ونغير اتجاه التاريخ في المنطقة، لقد قررنا أن نثبت ولو أدى ذلك إلى استشهادنا.
وخلال المعركة قاد أبو عمار قوات المقاومة وقاتل معها، وقد اكتسب عرفات شهرته وشرعيته السياسية والعسكرية نتيجة لهذا الموقف الذي حقق له الصمود وقاده إلى النصر في المعركة، فبعد الكرامة بعام اختير عرفات رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
ولقد كان صمود عرفات في المقاطعة أمام هجمة أرييل شارون خطاً ثابتاً في إطار استراتيجية تربى عليها وعاش بها منذ أن كان طالباً يدرس في مصر وشارك في حرب 1956 حيث كان ضابطاً برتبة ملازم ثان في الجيش المصري.
مسرح العمليات
استكمل الطرفان استعداداتهما للمعركة، كل على ضوء قراراته العسكرية، وتحولت شوارع «الكرامة» ومنازلها إلى ثكنة عسكرية تحسباً لما هو آت، وتمكنت قوات المقاومة الفلسطينية من حشد ما يزيد على ثلاثمئة مقاتل داخل «الكرامة» مزودين بأسلحة خفيفة بين الأسلحة الرشاشة ومدافع الهاون والأسلحة المضادة للدبابات والألغام المضادة للدروع، وتحصن المقاتلون في خنادق وأنفاق أقيمت داخل محيط «الكرامة»، كما تحصنوا فوق دورها ومنازلها.
وتمكن الجيش الأردني من حشد ثلاثة ألوية عسكرية تشكل إحدى فرقتين عسكريتين هي كل ما تبقى من الجيش الأردني بعد هزيمة يونيو 1967، ولم يكن الجيش الأردني يمتلك سلاحاً جوياً، ولا أسلحة حديثة تقارن بما لدى إسرائيل، فكل ما لديه كان بقايا أسلحة خرج بها من حرب 1967، فمثلاً لم يكن لديه سوى 12 مدفعاً مضاداً للطائرات، ولم يكن لديه أي غطاء للدفاع الجوي. كان الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية منكشفين جوياً تماماً، ومثل هذا الانكشاف كفيل بخسارة المعركة.
وعلى الجانب الآخر، كانت إسرائيل تمتلك عدة تشكيلات جوية كل منها يتكون من خمسين إلى مئة طائرة مقاتلة هزمت بها الجيوش العربية على ثلاث جبهات في حرب يونيو 1967، كما كان لديها قوة مدفعية هائلة ذات كثافة نيرانية مدمرة، وكان لديها كذلك أحدث الدبابات والعربات والمركبات.
ومن أجل المعركة حشدت فرقتان عسكريتان من المدرعات والمشاة وثلاث كتائب من المظليين، وكانت قوة إسرائيل إلى الأردنيين والفلسطينيين تقدر بنحو (5 ـ 1) وذلك حسب شهادة الفريق أول مشهور حديثه الجازي بطل انتصار «الكرامة» وقائد الفرقة الأولى التي خاضت المعركة وتولّت عملياً الدفاع عن الأردن.
بدأت المعركة بقصف جوي ومدفعي إسرائيلي عنيف فجر يوم الخميس 21 مارس، واستمر القصف لساعات متواصلة، فيما كمن المقاتلون العرب في أماكنهم ونجحوا في امتصاص هذا القصف استعداداً للمعركة البرية والالتحام العسكري المباشر.
وفي الساعة الخامسة صباحاً تلقت قيادة الفرقة الأردنية الأولى بقيادة الفريق أول مشهور حديثة الجازي أول بلاغ ببدء الهجوم البري بعبور أول دبابة إسرائيلية نحو الأردن، وعلى الفور أصدر الفريق الجازي الأوامر بالتصدي للقوات الإسرائيلية وعدم الانسحاب، كما صدرت الأوامر للضباط بأن يبقوا وسط جنودهم، ولا يغادرونهم مهما كلف الأمر، لذا استشهد عدد كبير من الضباط في مواقعهم.
وفي شهادته على معركة «الكرامة» يقول الجازي: من جهتهم «كان الاسرائيليون يعتقدون بعدم وجود أي التزام بالقتال لدينا بعد انتصارهم في حرب يونيو 1967».
«لقد كانت القوات الإسرائيلية معبأة نفسياً بأن الأردن لن يقاتل، وأن الجيش العربي الأردني انتهى، ولذلك كانت أول دبابة تتحرك بسرعة 60 كيلومتراً، وهذا مخالف للقوانين العسكرية، واستطاعت في سرعتها أن تدهس بعض الجنود في الخنادق، وهذا يدل على الغرور الإسرائيلي، ويدل على وهم منهم بأن إرادة المقاومة غير متوافرة، وأن الجيش العربي الأردني لا يستطيع القتال».
استمرت المعركة نحو 18 ساعة تحركت فيها إسرائيل على عدة محاور، ونجحت إسرائيل جزئياً في إنزال مظلييها خلف «الكرامة»، ووصلت دباباتها إلى مشارف البلدة، فتصدى لها المقاتلون الفلسطينيون ودمروها جميعاً، ودارت معارك عنيفة وجهاً لوجه، من بيت إلى بيت، ومن شارع إلى شارع، ولم يبق أي معلم لشارع بفعل الدمار، واستخدم المقاتلون الفلسطينيون الأحزمة الناسفة، واندفعوا بأجسادهم لنسف الدبابات الإسرائيلية، بينما اندفع آخرون بالسلاح الأبيض والقنابل اليدوية نحو القوات الإسرائيلية، وكان نداء «الله أكبر» يدوي في «الكرامة»، وذلك حسب شهادة اللواء نزار عمار.
أما الفريق أول مشهور حديثة الجازي فيضيف في شهادته: «لقد صمدت القوات الأردنية والفلسطينية صموداً رائعاً في وجه الغارات الإسرائيلية التي لم يسبق لها أن واجهت مثيلاً لها من قبل، إضافة إلى كثافة نيران المدفعية وكثافة الدروع المهاجمة، ورغم أننا كنا نفتقد إلى أي غطاء جوي، إلا أن صمود الجندي والقائد جعل الإسرائيليين يتراجعون لأول مرة، ويطلبون وقف إطلاق النار بعد مرور 18 ساعة على بدء المعركة».
ويضيف: «لقد تلقيت اتصالاً من القيادة يقول لي إن إسرائيل تطلب وقف إطلاق النار، وبأمانة أقول إنني واصلت رغم ذلك قصف تجمعات الجيش الإسرائيلي حتى خرجوا من المعركة».
وهنا يسأله الصحافي الراحل توفيق أبوبكر في حوار أجري لمجلة المحرر الباريسية في 3 أبريل 1995.. هل تعني أنك لم تلتزم بوقف إطلاق النار؟
يجيب الفريق أول الجازي: لا لم ألتزم.
أبوبكر: وماذا بالنسبة للإسرائيليين؟
الجازي: لقد التزموا وتوقف طيرانهم عن قصف مواقعنا.
خسائر المعركة
بعد 18 ساعة من المعارك العنيفة توقفت الأسلحة عن القصف لينجلي المشهد عن خسائر إسرائيلية باهظة لم يحلم بها يوماً ليفي أشكول ولا وزيره موشي دايان، بل ولا حتى أحد من العسكريين العرب، تم إسقاط سبع طائرات عسكرية إسرائيلية، وتدمير خمسمئة آلية، منها عشرون دبابة في أرض «الكرامة»، كما خسرت 250 قتيلاً و450 جريحاً.
وفي إحصاء آخر يقدر الفريق أول الجازي الخسائر الإسرائيلية بشرياً بنحو 1200 بين قتيل وجريح.
وفوق ذلك خسرت إسرائيل هيبتها العسكرية عربياً وعالمياً، حيث أثبتت المقاومة العربية (فلسطينياً وأردنياً) إمكانية هزيمة إسرائيل عسكرياً لأول مرة منذ نشأتها عام 1948.
أما الخسائر الفلسطينية فقدرت بنحو مئة شهيد وعدد من الأسرى، كما خسر الأردن 120 جندياً وضابطين شهيد وجريح، وهي بالطبع خسائر لا تذكر مقارنة بشراسة المعركة وحجم القوة الإسرائيلية المشاركة في العدوان على الكرامة، بل أيضاً بعدد القوات الأردنية مقارنة بأعداد القوات الإسرائيلية المشاركة في المعركة، حتى إن بعض الخبراء يقدرون خسائر إسرائيل في «الكرامة» بأكثر مما خسرته في حرب يونيو 1967 على جبهات الأردن وسوريا ومصر.
لقد خرجت المقاومة الفلسطينية من معركة الكرامة لتعلن ولادتها الحقيقية وأخذها زمام المبادرة لحمل راية القضية الفلسطينية التي انقلبت من قبضة الأنظمة المنهزمة إلى بندقية الثوار، وذلك بفضل تضحية أسماء اعتلت ناصية المعارك في بداية حياتها النضالية، فإلى جانب ياسر عرفات وأبو إياد كانت هناك بطولات شارك فيها أبو جهاد وخليل الوزير وأبو اللطف (فاروق قدومي) واللواء نصر يوسف الذي استطلع الهجوم الإسرائيلي ومأمون أسعد وأبو الرائد الأعرج أحد قادة فتح في الأردن، والعميد عبدالإله الأثيري، والعميد ممدوح نوفل، وموسى عرفات، وصلاح التعمري.
كما برز من القادة الأردنيين إلى جانب الفريق أول مشهور حديثة الجازي، ابن عمه اللواء كاسب الجازي الذي كان في الخنادق الأمامية الواقعة على نهر الأردن، وكان أول من تصدى للإسرائيليين، واللواء فاضل علي فهيد مدير الأمن العام السابق، والذي شارك في المعركة عند منطقة الكفرين، ووقتها كان ضابطاً برتبة نقيب، والعميد الركن محمود أبو وندي الذي تولى هجوماً معاكساً على قوات العدو الإسرائيلي واستطاع مع قواته منع الدبابات الإسرائيلية من عبور جسر الأمير محمد، مما ساعد على إلحاق الهزيمة بالقوات الصهيونية.
بعد 40 عاماً
أجج انتصار الكرامة المشاعر العربية نحو احتضان المقاومة الفلسطينية ومساندتها، وتحولت المقاومة إلى حالة شعبية عربية عامة وسط تسابق النظم العربية المنهزمة في يونيو 1967 لكسب ودها والتقرب إليها.
وتسابق الشباب العربي للانخراط في صفوف المقاومة الفلسطينية، معتبرين أنها الميدان الحقيقي للدفاع عن الحقوق العربية، ولاستعادة روح النضال والتمرد على مشاعر اليأس والهوان التي تجرعوها مع الهزيمة.
صارت المقاومة هي الحاضن الفعلي للقضية الفلسطينية ما تقوله المقاومة وما تريده تنفذه الأنظمة، وازدادت هذه المشاعر مع إحراق المسجد الأقصى، وسط قيام المقاومة بتوجيه ضربات قوية ومؤلمة للعدو الإسرائيلي وللاستعمار العالمي ممثلاً في الولايات المتحدة الأميركية التي كانت تتعثر وتنهزم في فيتنام.
ووسط هذه المشاعر الفياضة تصاعدت المؤامرات الإسرائيلية والأميركية، وتصاعدت الخلافات بين المقاومة وبعض الأنظمة، وكان ذلك أكثر بروزاً في الأردن لأخطاء ارتكبها الجانبان، وقادت فيما قادت إلى الصدام المسلح بينها في سبتمبر 1970، وهو ما عرف بأحداث «أيلول الأسود».
ونسى الطرقان أن قوتهما في الوحدة، وأن انتصار «الكرامة» تحقق بهذه الوحدة. المقاومة من جانبها نسيت أن قوتها لا تكمن فقط في ذاتها وإنما في محيطها الشعبي فلسطينياً وأردنياً. ونسي الأردن أنه حارب إسرائيل في «الكرامة» حفاظاً على أراضيه وعلى استمرار المقاومة.
وكان ما كان من صدام دموي، وخرجت المقاومة من الأردن إلى شتات جديد، وهكذا تسببت الخلافات العربية في إهدار انتصار «الكرامة». فالخلافات العربية حققت لإسرائيل على أرض السياسة ما لم تسطع تحقيقه على أرض المعركة، فتحول الأشقاء في معارك أيلول الأسود إلى فرقاء يقتل بعضهم بعضاً.
وكان ذلك بداية تراجع المقاومة الفلسطينية، ولأنها لم تستوعب دروس «أيلول الأسود»، فقد سقطت في ألاعيب السياسة اللبنانية حيث شتاتها الجديد، كما راحت ضحية الضغوط الأميركية الإسرائيلية، والمؤامرات والخلافات العربية، فتكرر سبتمبر الأردني على أرض لبنان ولوقت أطول بانغماس المقاومة في الخلافات اللبنانية التي قادت إلى الحرب الأهلية اللبنانية في 1976، وصارت المقاومة طرفاً أصيلاً في هذه الحرب، وتحولت البنادق من ضرب إسرائيل وأميركا إلى الداخل اللبناني.
وغرق الكل اللبناني والفلسطيني في مستنقع الحرب الأهلية التي قادت فيما بعد إلى احتلال إسرائيل للبنان وسقوط العاصمة اللبنانية بيروت كأول عاصمة عربية تحت الدبابات الإسرائيلية، فخرجت المقاومة مرة ثانية إلى شتات ثالث نحو اليمن وتونس.
روح «الكرامة» أهدرت فلسطينياً وأردنياً وعربياً في خلافات ثانوية، ونجحت إسرائيل والولايات المتحدة في تجزئة العرب وإجهاض كل انتصاراتهم، ثم قادت بعضهم فرادى إلى ما كانت تريده إسرائيل منذ نشأتها وهو توقيع الصلح المنفرد. فسياسة إسرائيل إنها تقاتل ولو كانوا جماعات ولكنها لا تصالحهم إلا فرادى.
ومن ينظر اليوم إلى أرض «معركة الكرامة» لن يملك سوى التحسر على ما آل إليه الوضع العربي بعد أربعين عاماً. فمصر العربية وقعت صلح كامب ديفيد منفردة، والأردن أيضاً سارع إلى توقيع اتفاق وادي عربة، وهرول الفلسطينيون إلى اتفاق أوسلو، فلم يكسبوا أرضاً ولم يكسبوا دولة ولم يحققوا روح «الكرامة».
واليوم تفيد أنباء وتقارير صحافية بأن غور الأردن الذي كان أوسع جبهة عربية للعمل الفدائي الفلسطيني المقاوم ضد إسرائيل تحول اليوم إلى بورصة أراض يتسابق الصهاينة إلى شرائها مستغلين حسن النية العربي في ظل شعارات السلام، وغطاء الاستثمارات المشتركة، لكن الهدف الحقيقي هو استغلال تلك الأراضي اقتصادياً لصالحهم حتى إذا ما دبت روح «الكرامة» في العرب وبعثت من جديد فلن يكون باستطاعتهم تهديد إسرائيل عبر المقاومة من تلك الأراضي، تلك الأراضي التي حلم موشي دايان يوماً بأن يشرب الشاي فوق تلالها، ولكن يبدو أن هذا الحلم الذي فشل فيه دايان ينجح فيه الآن أحفاده.. لأننا صرنا عرباً بلا «كرامة» وبلا قدرة حتى على إحياء روح «الكرامة».
الفريق أول مشهور حديثة الجازي
ولد في مضارب قبيلة الحويطات بجنوب الأردن 1928، والتحق بقوة البادية عام 1943، وفي عام 1956 تولى قيادة كتيبة المدرعات الملكية الثانية، بعد تخرجه من دورة تأهيل مرشحين عام 1947، في عام 1962 أصبح قائداً للواء المدرع 40، وفي عام 1967 عين قائداً للفرقة الأولى والتي كان لها شرف الانتصار في معركة الكرامة في 21 مارس 1968، إلى جانب قوات المقاومة الفلسطينية، وفي 1971 عين رئيساً لهيئة الأركان.
وفي عام 1970 عين قائداً عاماً للقوات المسلحة الأردنية حتى سبتمبر 1970، حيث عين مستشاراً خاصاً للملك حسين وفي 7/11/2001 انتقل إلى جوار ربه بعد حياة حافلة بالتضحيات والبطولات.
من شهداء الكرامة
يذكر اللواء نزار عمار في دراسته بعضاً من شهداء المقاومة الفلسطينية ومنهم: عبدالمطلب الدنبك، وربحي الأسطى، وعلي عياد، وفتحي نمر، وبشير داوود، وزهير جابر، وسلامة محمود البورنو، وسمير محمد الخطيب، وأبو إبراهيم معليش، وعوض العدلي، ومحمد إبراهيم، وجميل إبراهيم البلعادي، وحامد المرة، ومحفوظ شميط، واحمد محمد شاكر، ومحمد دعاس عبيد، ومصطفى أحمد مصطفى، وخليل ذيب، وجميل مصطفى، وسعيد الأسعد، وعبدالله أبو السعود، والسعيد أبو أمية، وشحده فضيل.
أما الشهداء الأردنيون وفق ما أعلنه الجيش الأردني فمنهم: الملازم أول خضر شكري يعقوب درويش، الملازم أول محمد هويمل حتمل الزيني، الملازم عيسى سليمان عبدالرحيم، المرشح راتب محمد سعيد البطاينة، المرشح عارف محمود الشخشير، المرشح سالم محمد سالم الخصارنة، الرقيب عبدالله شعبان. عبدالغني شعاينة، الرقيب أحمد شحادة محمد عبدالرزاق الشروع، العريف محمد محمود أبو الفريوان، العريف أحمد خليل محمد، العريف جبر محمود جابر دار جابر، العريف عبدالحميد كامل ياسين، العريف سلطان محمود الكوفجي، العريف محمد نايف محمد بن أحمد، العريف تميم أحمد حسن الريماوي، العريف عبدالرحمن خليل جبريل، العريف خالد فوزي عبدالفتاح أبو بكر.
كتب: أحمد الكناني



