قبل خمس سنوات، في مثل هذا التاريخ، استحدثت السلطة الفلسطينية تحت ضغط دولي شديد منصب رئيس الوزراء، وكان أول من شغله الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس «أبومازن»، لكن وجوده في المنصب لم يدم أكثر من أربعة شهور اضطر بعدها إلى تقديم استقالته إلى الزعيم الراحل ياسر عرفات (أبوعمار) بعد تنازع على الصلاحيات وخلافات حادة. ومنذ مارس 2003 وحتى اليوم يبدو المنصب وصلاحياته عنواناً لحالة غير مسبوقة من التنازع الفلسطيني.

بضغوط سياسية ودبلوماسية أميركية وإسرائيلية كبيرة تم تعديل النظام السياسي الرسمي الفلسطيني باستحداث منصب رئيس الوزراء، وكانت الولادة عسيرة، مليئة بالشكوك والمخاوف، باعتبارها عملية لم تنجم عن استحقاقات داخلية بل فرضتها إملاءات خارجية ومن جهات غير مشكوك بعدائها للقضية الفلسطينية. ويرى المحللون السياسيون ان استحداث منصب رئيس الوزراء كانت فيه وجهتا نظر: الأولى تدعمها الأوساط السياسية والاجتماعية وقياديون بارزون في حركة «فتح» والمجلس التشريعي، الذين رأوا في المنصب خطوة لدمقرطة النظام السياسي وإصلاحه من خلال إعادة توزيع الصلاحيات المطلقة التي كان محورها الرئيس في ظل غياب المؤسسات في جميع المجالات، إلى جانب أن تلك السلطة المطلقة أفرزت فساداً كبيراً في المجتمع الفلسطيني.

ويرى المراقبون أن هذا الوضع، إضافة إلى الضربات الإسرائيلية الموجعة للبنية التحتية للسلطة واستمرار العدوان على الشعب والسلطة، قلص وبصورة متسارعة من مكانة حركة «فتح» وبدأ بتهديد قاعدتها وبحسب المراقبين دفعت هذه المعادلة أوساطاً قيادية في «فتح» إلى التنظير لهذا التطوير في النظام السياسي بهدف وقف التآكل المستمر في دور الحركة ومكانتها ونفوذها.

ورغم ممانعات مؤسسة الرئاسة حينها لأسباب تتعلق بدور الرئيس ومكانته المطلقة في الهيكل السياسي شكّل محمود عباس، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وعضو اللجنة المركزية لـ «فتح» حينها، حكومته بقرار من «مركزية» الحركة والرئيس ياسر عرفات والمجلس التشريعي واللجنة التنفيذية للمنظمة. وبدأ مع تشكيل هذه الحكومة نوع جديد من المواجهة، جوهره الصراع على المكانة والصلاحيات والأهداف، سواء من داخل الحكومة نفسها أو من خارجها.

وتعثر أول رئيس وزراء فلسطيني في أول اختبار سياسي بعد تشكيل حكومته، والمقصود خطابه في مؤتمر العقبة الذي جمعه بالرئيس الأميركي جورج بوش والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني ورئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون الذي أسطت منه أية إشارة إلى حق العودة.

ووصف سياسيون ومراقبون هذا الخطاب بأنه «كارثي بكل المقاييس» ولم تنقذ رئيس الوزراء التبريرات التي ساقها لتوضيح ملابسات خطابه.

وعلى الصعيد الداخلي، باشرت الحكومة مجموعة من الإصلاحات المالية والإدارية لاقت استحساناً شعبياً، لكن لاح مع تسارع التطورات بعد إصرار عباس على استقالته من «مركزية فتح» وإصرار حكومته على تنفيذ قانون التقاعد خطر فقدان الحركة، وبالأساس مركزيتها ومجلسها الثوري، عناصر قوتها وتأثيرها ونفوذها. وصار من الملح إسقاط هذه الحكومة التي باتت تؤشر على بداية مرحلة فصل بين مؤسسات السلطة ومؤسسة «فتح».

انجازات

في خطابه أمام أعضاء المجلس التشريعي بعد 100 يوم على توليه المنصب استعرض رئيس الوزراء انجازاته، وتحدث عباس علنا عن خلافات مع أبوعمار وتحدث عن إتاحة دعم قوي لتنفيذ المهام الموكلة له كرئيس للوزراء، أو سحبها، إذ أقر في الخطاب بوجود «خلل» في العلاقة بين الحكومة والرئاسة الفلسطينية، معتبرا أن هذا الخلل يحتاج إلى معالجة منهجية وفق أحكام القانون الأساسي، مؤكداً على ضرورة «ألا يتحول في أي حال من الأحوال إلى حافز لاستقطاب وخدمة المصالح الخاصة على نحو يحول الخلل إلى انشقاق».

وكان الخلاف بين عباس وعرفات وصل إلى طريق مسدود، بعدما تركز بشكل خاص على تسلم مسؤولية الأجهزة الأمنية حيث رفض الرئيس الراحل التخلي عن صلاحياته الأمنية.

وفي خضم هذا التنازع، أعلن رئيس المجلس التشريعي أحمد قريع أن مجموعة من النواب قدمت مذكرة لحجب الثقة عن رئيس الوزراء بعد قليل من إلقائه خطابه الذي هدد فيه بترك منصبه إذا لم يحصل على تفويض كافٍ لممارسة سلطاته، وانتقد خلاله عمليات فصائل المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي ووصفها بـ «الثأرية» ما أثار ردود فعل غاضبة لدى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحتى كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لـ «فتح».

حصار عرفات

أدى الخلاف والتنازع بين الرئيس عرفات وبين رئيس الوزراء، وما تلاها من إسقاط الحكومة، إلى فراغ سياسي خطير حرر حكومة اليمين الإسرائيلي بزعامة آرييل شارون، من الضوابط ودفعها لاستثمار هذه اللحظة السياسية باتخاذ قرار مبدئي عجزت عن أخذه طول الفترات السابق،ة ألا وهو قرار إبعاد الرئيس ياسر عرفات أو قتله كما حدث فعلا.

وعمدت إلى إحداث تراكم عبر سياسة الصدمات المتتالية وامتصاصها وصولاً إلى الصدمة النهائية، فكانت الحكومة الإسرائيلية تعتقد أن إبعاد عرفات أو التخلص منه يمكن أن يخلق فوضى في مناطق السلطة، قد تتطور، بمساهمة مباشرة منها، في إغراق مناطق السلطة في صراع دموي محوره النفوذ والقيادة. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي في حينه الجنرال شاؤول موفاز صرح بأن العالم يعترف بأبي مازن ومحمد دحلان وسلام فياض زعماء للسلطة الفلسطينية وأن عرفات يجب أن يختفي عن مسرح التاريخ.

وكان اللافت في هذا الصراع أن الرئيس عرفات وصف خلال اجتماع اللجنة المركزية لحركة «فتح» أبومازن بـ «قرضاي» الفلسطينيين.

وقال مقربون من الزعيم الراحل إن عرفات استشاط غضباً على عدد من أعضاء اللجنة المركزية، لأن أحدهم قام خلال الوساطة بينه وبين أبومازن بنقل تفاصيل حديثه الغاضب إلى أحد المقربين من أبومازن ما عقد العملية برمتها. ورفض عباس البحث مع لجنة الوساطة التي كان يترأسها أمين عام الرئاسة الطيب عبدالرحيم في القضايا الخلافية مع أبوعمار، وقال إنه سيتوجه إلى المجلس التشريعي ولن يجتمع مع عرفات ويرجوه بعد اليوم.

وقال أحمد قريع، الذي خلف عباس في رئاسة الوزراء، إن «جهوداً صادقة وجدية بذلت لتقريب وجهات النظر بين الرئيس ورئيس الوزراء»، لكن جميع جهود الوساطة التي بذلها كبار المسؤولين في السلطة والمجلس التشريعي ومنظمة التحرير باءت بالفشل. وقدم عباس استقالته من اللجنة المركزية وقاطع اجتماعاتها رغم أن اللجنة لم تقبل الاستقالة. وجرى البحث عن صيغ عدة للتفاهم والاتفاق على عدد من النقاط، مثل:

عودة أبومازن عن استقالته من اللجنة المركزية.

تشكيل مجلس للأمن القومي برئاسة عرفات وعضوية أبومازن. وتقضي الصيغة أيضاً بتوحيد الأجهزة الأمنية تحت إمرة مجلس الأمن القومي على أن يكون لوزير الداخلية اللواء نصر يوسف دور إشرافي عليها. مع حديث عن أن الحل يشمل كذلك إزالة واحد من أبرز أسباب الخلاف وهو إلغاء التفويض الذي منحه أبومازن للعقيد محمد دحلان في الشأن الأمني.

تشكيل لجنة للمفاوضات تحت إمرة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.

قيام الحكومة الفلسطينية بإجراءات ترمي إلى تكريس الإصلاح الإداري والمالي في السلطة.

إنهاء عسكرة الانتفاضة

ومن بين العثرات والإشكاليات العديدة التي واجهت حكومة أبومازن، حالة الغضب التي فجرتها تصريحاته في محاضرة على رؤساء اللجان الشعبية في قطاع غزة صب فيها نار غضبه على الانتفاضة وطالب بتخليصها من العسكرة والتخلي عن العمليات الاستشهادية.

كما أن عباس وافق خلال رئاسته الحكومة على تطبيق خريطة الطريق رغم عدم إعلان الحكومة الإسرائيلية موافقتها عليها.

تفجير هدفه التفجير

بعد ساعات قليلة من نيل حكومة أبومازن على ثقة المجلس التشريعي الفلسطيني وقعت عملية استشهادية وسط تل أبيب في نهاية ابريل 2003 واعتبر الكثير من المراقبين والمحللين أنها تحد لأبي مازن الذي وضع نزع أسلحة المقاومة على سلم أولويات برنامج حكومته..

وقال العديد من المحللين أن عملية تل أبيب التي أوقعت عشرات القتلى والجرحى الإسرائيليين هي رسالة من فصائل المقاومة الفلسطينية على أنه ليس من السهولة وقف الانتفاضة والقضاء على المقاومة.

عباس يتهم إسرائيل وأميركا بإفشاله

عند تقديم استقالته حمل أبومازن إسرائيل والولايات المتحدة القسط الأكبر من أسباب استقالته كما حمّل الرئيس عرفات بعض المسؤولية في الوقوف ضده وإفشاله.

وأعرب عباس عن إحباطه جراء عدم قيام واشنطن بممارسة الضغط الكافي على إسرائيل للالتزام بمسيرة السلام. وكان عباس علق مصداقيته على إنجاح خطة خريطة الطريق إن تجدد العنف قوض من وضعه.

رفقة درب

أسس أبومازن إلى جانب الراحل عرفات حركة فتح، ورافقه إلى المنفى في الأردن ولبنان وتونس.

وفي السنوات الأولى لنشأة الحركة أصبح ابومازن شخصية تحظى بالاحترام بسبب بساطة عيشه ونظافة سجله.

وبقي أبومازن على الدوام خلف الكواليس لكنه أقام أيضا شبكة اتصالات قوية مع قيادات عربية ورؤساء أجهزة الاستخبارات. وينظر العالم الغربي إلى أبومازن على أنه شخصية معتدلة، وكان من بين القيادات الفلسطينية الرئيسية التي فتحت حوارا مع الجناح اليساري اليهودي والحركات الداعية إلى السلام في إسرائيل خلال السبعينات قبل أن تنطلق المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين. وهو يعتبر مهندس اتفاقية أوسلو.

غزة ـ ماهر إبراهيم