خمس سنوات من الاحتلال تُشكّل بنظر كثير من العراقيين خمسين عاماً من المعاناة، تجعل بعضهم يتساءل هل «لا نزال نعيش حقاً كالآخرين في أرجاء المعمورة؟».
خمس سنوات من القتل والتدمير والتهجير والتجويع تحت شعارات: «الحرية»، «الديمقراطية» و«رفاهية الشعب». لكن البعض الآخر يتساءل هل تحقق شيء من ذلك؟.
في ظل أن بغداد عاصمة الرشيد باتت مقطعة الأوصال بالحواجز الإسمنتية ونقاط التفتيش الأمنية، فيما الحصول على الخدمات الضرورية يتم بشق الأنفس.
وإذا كان عدد من الساسة العراقيين يرون، أن الحديث عن الاحتلال «في غير محله»، لأن الولايات المتحدة ليست سوى «صديق محرر»، دخلت العراق بموجب قرارات دولية، وخلصت أرض الرافدين من «دكتاتورية» الرئيس الراحل صدام حسين ونظامه، إلا أن النائب عن الكتلة العراقية للحوار الوطني، محمد الدايني، قال انه «من السذاجة منقطعة النظير الاعتقاد أن الاستعمار الأميركي، دخل العراق ليرحل، وانه جلب كل هذه الجيوش والأساطيل، وانفق وينفق المليارات من الدولارات، من اجل سواد عيون الشعب العراقي».
وأضاف: « خمس سنوات تكفي وتزيد للتشخيص والحكم.. ويمكن القول بثقة إن الشعب العراقي رافض للغزو وللاحتلال بشكل مطلق، ولكن النخب السياسية والمثقفة يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أصناف: الأول من كان يعتقد أن الأميركان هدفهم مساعدة الشعب العراقي في التخلص من الدكتاتورية، وبناء عراق ديمقراطي متطور، يحقق الرفاهية للشعب، ويشيع العدل والمساواة، ويكرس خيرات وطاقات العراق لخدمة وسعادة أبنائه.. وهذا الصنف يمكن إعطاؤه بعض العذر، ولكنه يجب أن يصحح موقفه هذا، وإلا فهو بعيد عن السياسة».
وتابع «أما الصنف الثاني، فهو الذي كان يعرف مسبقاً أن هدف الأميركيين هو احتلال العراق، وليس تخليصه من النظام السابق، وان هذا الاحتلال يمكن مقاومته سلمياً أو حتى بالقوة». أما الصنف الثالث يقول الدايني فهو «الشريك في الجريمة، والذي كان على علم مسبق بنوايا أميركا تجاه العراق، وتهديم الدولة، وإشعال الحروب الطائفية والعرقية، وتعطيل الحياة العامة من اجل تمرير مخططه في الاستيلاء على العراق وثرواته واستعباد أبنائه، تحت مسميات الرسملة والخصخصة، وما إلى ذلك».
أما منسق منظمة حقوق الإنسان والديمقراطية، حسن شعبان، فقال «عندما يحرمون الشعب من الكهرباء لسنوات عدة، ثم يعطونه التيار الكهربائي ساعة أو ساعتين في اليوم، فهم يعدون ذلك (مكرمة) للشعب، وهذا ما ينطبق على (المكرمة الكبيرة) بإطلاق المعتقلين، ومعظمهم من الأبرياء، ولكن الحقيقة هي أن الذين يتم إطلاقهم اليوم، يتم اعتقال أكثر منهم في اليوم التالي».
وما يراه منسق حقوق الإنسان هو ما يتفق معه آخرون يعتبرون أن ما يحدث لم يشهد له العراق مثيلاً من قبل، بل ربما لم تشهد مثيله أية دولة أخرى، إن صحّت كلمة «دولة» على بلد الرافدين.
وقال مدرس مادة التاريخ في ثانوية «1 حزيران » بمنطقة السيدية سمير محمد هارون « من يصدّق أنني مهدد في كل لحظة، لأن جدي اسمه هارون،، فهناك من يرى أن هذا الاسم جريمة يستحق الأبناء والأحفاد القتل جرّائها.. فكيف نستطيع القول إن بغداد كانت عاصمة هارون الرشيد في أعظم فترات ازدهار الحضارة العربية ـ الإسلامية ؟، وكيف يمكن أن ندرّس مادة التاريخ، إذا طلب منا احد التلاميذ أن (نلعن) هارون الرشيد كلما مر ذكر بغداد ؟، والأستاذ الذي لا يفعل ذلك قد يقتل على باب مدرسته ».
ويوضح «هذا هو واقع الحال عندنا، وبقي أن يتخذ ذوو القرار الآن إجراء بتغيير اسم اعرق وأهم شارع في بغداد (شارع الرشيد)، بسبب نزاعات تاريخية قديمة».
وقال المهندس فاخر عبد الكريم «من حقنا أن نبكي، لأن بغداد الأجمل بين الجميلات، هي الآن مجرد سلّة نفايات كبيرة، بغداد الكبيرة الواسعة، تقطّعها الكتل الإسمنتية والأسلاك الشائكة، إلى كانتونات، بل حتى الكانتونات مقطّعة الأوصال.. كل الشوارع تكاد تكون مغلقة، أو يكون المرور فيها حلزونياً، حتى الوصول إلى منفذ الخروج، أو منفذ الدخول، لأن (الخطة الأمنية) اقتضت أن يحبس الناس في بيوتهم، ومن يريد الذهاب إلى عمله، أو إلى غاية ما خارج منطقته، عليه اجتياز الموانع للوصول إلى نقطة البداية ».
وأضاف « هكذا اعتدنا أن نعيش، أو لا نعيش.. قد يتصور البعض أننا بلا إحساس، وقد يكون هذا التصور صحيحاً إلى حد بعيد، لأننا اعتدنا على الموت، اعتدنا أن نرى الجثث في الشوارع والأزقة، وأن يموت لنا في كل يوم صديق أو قريب.. الموت صار من الأشياء المألوفة، والبكاء لم يعد يعرف إلى العيون سبيلاً. فقد نفدت الدموع منذ زمن بعيد.. بعيد جداً، السنوات القليلة التي مضت تعادل عقوداً بما حملته من مكابدة وجراح تتراكم فوق جراح».
وقال مزهر ساجت الزبيدي (عامل) «لم يبق من بغدادنا شيء.. الكثيرون يتحدثون عن عودة الأمن والاستقرار نسبياً، ولكن الأخطر من ذلك، والذي يعد أهم عامل لفقدان الأمن والأمان، هو انعدام الخدمات الضرورية.. شوارع بغداد الزاهية هي الآن مجمعات للأوساخ، لأن الخدمات البلدية منتهية تماماً، والمواصلات أصبحت خطرة وبأسعار عالية جداً، وانتقال البضائع من منطقة إلى أخرى ضرب من المجازفة، حتى أصبح حصول العائلة على الغذاء اليومي من الهموم الكبيرة ».
وأضاف «من يتصور أن عاصمة العراق العريقة بغداد بلا كهرباء منذ أكثر من خمس سنوات، وكيف يقاوم الناس حرارة الصيف اللاهبة، بعد برودة الشتاء القارصة، والأنكى من ذلك ارتفاع أسعار الوقود بشكل خرافي، إن وُجد، ما يمنع المواطنين حتى من استخدام المولدات الكهربائية المنزلية».
ويتساءل الموظف صادق عبد الحق «لماذا يسموننا دولة أو مدينة أو حتى قرية؟ عندما نخرج إلى الدوام صباحاً، نتوقع أن لا نصل في الوقت المحدد دائماً، فلا بد من تأخير يزيد على الساعة أو الساعتين، وربما اليوم كله، بسبب إغلاق الطرق والجسور ونقاط التفتيش والمفارز.. أما إذا مرّت آليات أميركية، فلا يجوز الاقتراب منها مسافة نصف كيلومتر، وعندما تتوقف، لا تستطيع حتى سيارات الشرطة والجيش والمسؤولون مواصلة السير إلى أن يتكرم السيد الأميركي ويتحرك من المكان الذي توقف فيه، ربما من دون أي سبب، سوى إذلال العراقيين».
وأضاف « عندما نصل إلى مكان العمل، تباشرنا هموم العودة إلى منازلنا.. فكثيراً ما نجد مناطق سكننا مغلقة، ونضطر إلى المبيت عند أقرب بيت لنا معرفة بأصحابه.. أما إذا كانت الأمور اعتيادية، فعلينا الانتظار في طوابير لدخول المنطقة، واجتياز نقاط التفتيش والسيطرات في الشوارع داخل المنطقة».
وأكد أن« ما يقال عن عمل دوائر الدولة مجرد أكاذيب.. كيف يعمل الموظف بلا كهرباء ولا ماء، ولا حتى أبسط المستلزمات. وواقع الحال هو أن هناك تقييداَ إجبارياً على الحركة، ما يجعلنا في شبه حالة حظر تجوال مستمرة».
السيدة أم محمود (متقاعدة) قالت «معاناتنا ليس لها مثيل في العالم.. في أحيان كثيرة نرى أن الموت أهون من الحياة التي نعيشها، بسبب اللهاث المستمر من أجل الحصول على المستلزمات الضرورية».
وأضافت «يقول المسؤولون في الدولة إن الوضع الأمني قد تحسن، وكأنهم ليسوا في العراق!!، فهذا الكلام هو ما يقوله بعض المسؤولين في أميركا.. وربما يتحسن الوضع أكثر في نظرهم عندما يحبسوننا في بيوتنا بشكل دائمي».
وتتساءل «ألم يلاحظ المسؤولون أن حظر التجوال، يبدأ عملياً بعد الغروب بقليل، وتكاد تكون شوارع بغداد مقفرة قبل موعد حظر التجوال بساعات، حيث يسارع المواطنون بالذهاب إلى بيوتهم، خشية مكائد الليل.
وفي بيوتهم لا يستطيعون حتى قضاء بعض الوقت أمام شاشة التلفزيون، كما لا يعرفون طعماً للنوم بسبب انعدام الكهرباء، وربما قذائف الهاون التي تطال الأحياء السكنية في كثير من الأحيان، ناهيك عن أن كل شيء متوقع في الليل، وربما أكثر من النهار».
