كان من قبيل الدهشة أن القرار الأهم على صعيد السياسة الخارجية الأوروبية خلال عام 2003 اتخذ في واشنطن، وليس في برلين أو باريس أو بروكسل.
تلك كانت الحقيقة المرة للغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق، والذي قسم أوروبا إلى معسكرين متناحرين وإلى تسميم العلاقات الدبلوماسية في أنحاء القارة.
وفي هذا الصدد قال بيوتر كاتشينسكي الباحث في مركز الدراسات السياسية الأوروبية في بروكسل «تعلمت أوروبا من حرب العراق الدرس نفسه الذي تعلمته من حرب البوسنة في التسعينات (القرن الماضي): عندما يسود الانقسام أوروبا، فإن هذا يعرقل تحقيق الأهداف لان القرارات آنذاك سيتخذها آخرون.. وبوسائل أخرى».
وحاول الاتحاد الأوروبي منذ ذلك الحين الاستفادة من تجربته المؤلمة في صراعات أخرى مثل كوسوفو، بيد أن الخبراء يقولون إن الاتحاد لا يزال غير قادر على التغلب على حالة الضعف التي كشفتها تجربة حرب العراق.
فقد تسبب الخلاف حول الخطط الأميركية بشن حرب على العراق في تأليب حفنة من الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، مثل بريطانيا، ضد معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بما في ذلك أكبر الدول الأعضاء في الاتحاد وهما فرنسا وألمانيا.
ولكن مع احتدام الخلاف ألقت جميع الدول المرشحة لعضوية الاتحاد من أوروبا الشرقية بثقلها خلف الولايات المتحدة الأمر الذي كشف المدى الذي وصل إليه ضعف القارة في التعامل مع القوى العظمى في العالم كتكتل واحد.
ويتذكر نيلس مويزنيكس خبير العلوم السياسية، الذي شغل منصب وزير في حكومة لاتفيا إبان تلك الفترة قائلا «لم نكن نملك ترف إثارة غضب الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية الكبرى..، لكن كان لابد علينا أن نختار بينهما... كان وضعا مزريا».
وانضمت إلى ركب تلك الدول الحكومات المحافظة آنذاك في إيطاليا وأسبانيا. ويجمع المحللون على أن الانقسام المدوي كلف الاتحاد الأوروبي قدرا هائلا من نفوذه الدولي.
وأضاف كاتشينسكي «بسبب انقسام أوروبا، لم يكن في مقدور الأوروبيين بأي حال التأثير على مجريات الأمور في العراق... فالولايات المتحدة هي التي وضعت الأجندة وليس الموقف المشترك لكل من فرنسا وألماني.. كما لم يكن لأي عضو آخر بالاتحاد أو روسيا تأثير يذكر».
بيد أنه منذ أن نالت دول أوربا الشرقية العضوية الكاملة بالاتحاد في 2004 و2007 وكذلك في ظل تغير القيادات السياسية في بريطانيا وفرنسا وألمانيا بين عامي 2005 و2007 حاول الزعماء الجدد بالاتحاد جاهدين استيعاب درس العراق الكريه.
وتابع كاتشينسكي قائلا «لقد استفادت أوروبا كثيرا من درس العراق... فقد خلصت إلى نتيجة مفادها أن (مثل هذه الانقسامات) تلحق الضرر بصورة الاتحاد الأوروبي في الخارج وتحول أن يصبح قوة مؤثرة على أرض الواقع».
غير أن الانقسام الأخير بالاتحاد الأوروبي حول كوسوفو يبرز مواطن القوة وحدود ذلك الاتجاه الجديد. فمن ناحية فشلت الدول الأعضاء بالاتحاد فشلا ذريعا في التوصل لموقف مشترك بشأن الاعتراف باستقلال الإقليم عن جمهورية صربيا.
ومن جهة أخرى، وافقت الدول الأعضاء بالإجماع على إرسال أكبر بعثة على الإطلاق في وقت السلم إلى كوسوفو بهدف تدريب أجهزتها القضائية الناشئة. وحتى الدول الأعضاء بالاتحاد التي رفضت الاعتراف باستقلال كوسوفو ساهمت في تلك القوة.
وقال كاتشينسكي «الأوروبيون أضعف من الأميركيين.. ليس فقط على صعيد صنع السياسة الخارجية ولكن في قدرتهم على التنفيذ».
وأردف«إذا ما سأل الرئيس الأميركي الجديد أيا كان هو (بعد الانتخابات في نوفمبر) أوروبا:كيف يمكن لكم العمل معنا؟ فإنه مما يؤسف له أن أوروبا لن يكون لديها الكثير لكي تقدمه». (د ب ا)