حلت الذكرى الخامسة للحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق، دون مؤشر على قرب نهايتها، أو بداية حلول للمعضلات التي خلقتها الحرب للعراق وللولايات المتحدة وللمنطقة وللعالم، وسط إجماع على أن الرئيس الأميركي جورج بوش سيترك لخلفه تركة ثقيلة قبل أن يغادر البيت الأبيض نهاية العام الجاري.

عشية إعلانه قراره بشن الحرب قبل خمس سنوات، قال الرئيس الأميركي جورج بوش: «إنه لا مطامع لنا في العراق، سوى إزالة التهديد الذي يشكله (نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين)، واستعادة السلطة في ذلك البلد، لتكون في يد شعبه».

لكن العراق اليوم، تواصل القوات الأميركية فيه القتال لضبط السيطرة عليه، وإحلال الأمن والاستقرار فيه، دون نجاح ملموس يذكر. فأعمال العنف والقتل تزايدت خلال الأسابيع القليلة الماضية، رغم انخفاضها نسبياً خلال الأشهر التي تلت استراتيجية زيادة القوات، التي بدأ تنفيذها في شهر فبراير من العام الماضي.

وهناك حكومة عراقية منقسمة عاجزة عن مواجهة المشكلات الاقتصادية والأمنية، والأهم عاجزة عن التقدم ولو خطوات صغيرة لتحقيق المصالحة الوطنية، لأنها المدخل الأساسي لمعالجة المعضلات الكثيرة، ولوضع البلد على بداية طريق الخلاص من الاحتلال، واستعادة الأمن والاستقرار، والبدء بالبناء وإعمار البلاد.

بعد خمس سنوات على الحرب، تخلى الرئيس بوش عن الشعارات العديدة، التي كررها مراراً، مثل إقامة الديمقراطية والحرية وصون حقوق الإنسان، ليكون العراق نموذجاً يحتذى، وحليفاً للولايات المتحدة في الحرب ضد الإرهاب. واكتفى الثلاثاء الماضي بالقول: «إن الأثر الذي سيخلفه عراق حر، سيتجاوز حدود ذلك البلد، إن نجاحه سيبين الطريق لدول أخرى..».

ولم يشر الرئيس بوش إلى نجاح تحقق حتى اليوم. بل انه ما من أحد في إدارته يجرؤ على الزعم بأن غزو العراق واحتلاله كان ناجحاً، وما من أحد في الإدارة يقدر على التكهن، بأن حياة العراقيين البائسة ستعود إلى طبيعتها، أو إلى ما كانت عليه قبل الاحتلال في المستقبل القريب، ويجمع الخبراء في واشنطن على أن غزو العراق، «ترك أثراً سلبياً على المستوى الإقليمي والدولي، وقد تضرر منها الناس في كل أنحاء العالم، بعد الضرر الذي لا يزال يلحق بالعراق من جرائها، والضرر الذي لحق بالولايات المتحدة نفسها».

والنجاح ضئيل متواضع جداً، عبر عنه الجنرال ديفيد بترايوس قائد القوات الأميركية في العراق. بأنه «نجاح محدود» وحمل القادة السياسيين في العراق مسؤولية عدم النجاح بقوله الأسبوع الماضي: «ان القادة العراقيين فشلوا في تحقيق تقدم نحو حل الخلافات السياسية، وتحقيق المصالحة الوطنية» ومن المقرر ان يقدم بترايوس والسفير الأميركي في العراق رايان كروكر تقريراً إلى الكونغرس في الثامن من الشهر المقبل، عن الوضع في العراق، بعد استراتيجية زيادة القوات، لكن قوله انه سيتم تجميد عملية سحب حوالي 30 ألف جندي، خلال الأشهر المقبلة، مؤشر على ان تقريره لن يتضمن النتائج الإيجابية التي تتمناها إدارة الرئيس بوش.

كما ان إعلان «النجاح والنصر» في الحرب، بعيد المنال، إن لم يكن مستحيلاً، يؤكده القادة العسكريون، وزعماء الكونغرس الأميركي بالقول: ان النصر العسكري في العراق أمر مستحيل. ولابد من إيجاد خطة استراتيجية للخروج، لكنها خطة تبدو بعيدة المنال.

ويستشهد خبراء ومحللون بما قاله الرئيس بوش بعد غزو العراق، الذي ربطه بالحرب على الإرهاب، إذ قال حينذاك «ان الصراع في الحرب ضد الإرهاب سيكون أصعب وأطول، مما يتنبأ به البعض.

ويقول الخبراء: «ان الحرب ضد الإرهاب، ستكون طويلة حقاً، لكن الحرب في العراق ستكون أطول». مما يعني وجوداً عسكرياً أميركياً في العراق سيستمر لعقود مقبلة، ويقول الخبير في «مجلس العلاقات الخارجية» بواشنطن ستيفن بيدل «ان الرئيس بوش، لن يتمكن من تحقيق انجاز أو نجاح كبير في العراق، خلال الأشهر المتبقية من رئاسته، وانه سيترك للرئيسة أو الرئيس المقبل، الذي سيتم انتخابه مطلع نوفمبر المقبل، إرثاً ثقيلاً ومعضلات لا يمكنه إغفالها، بل عليه ومنذ يومه الأول في المكتب البيضاوي، البدء بمعالجتها».

ولأن الحرب في العراق، التي أيدها في البداية حوالي 80% من الأميركيين، بينما يرى أكثر من 70% منهم اليوم، أنها حرب ما كان يجب أن تحصل، وأن تدفع التكاليف الباهظة، بشرياً ومالياً في سبيلها. أصبحت معضلة أميركية، فإن المتنافسين على ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة، السيناتور باراك أوباما، والسيناتور هيلاري كلينتون، يعطونها حيزاً مهماً في حملاتهما الانتخابية، ويلتقي الاثنان على الاستجابة للرغبة الشعبية الأميركية في الخروج من العراق. وأعلنا مراراً إنها أو إنه سيبدأ بسحب مرحلي للقوات من العراق، خلال شهرين من تسلم الرئاسة.

فيما يكرر المرشح الجمهوري للرئاسة جون ماكين دعمه وتأييده للحرب، ورفضه الانسحاب السريع من العراق. وأكد «أن على الأميركيين أن يستعدوا لقبول وجود عسكري أميركي طويل الأمد في العراق حتى يتحقق النجاح».

وأكد موقفه هذا، خلال الزيارة المفاجئة التي قام بها للعراق الأحد الماضي. ويؤكد هذا قول القادة العسكريين في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن الوجود العسكري الأميركي في العراق لن يقل عن 140 ألف جندي خلال هذا العام.

ولغرض التفاهم مع الحكومة العراقية والاتفاق على وجود أميركي عسكري على المدى البعيد، بدأت المحادثات مع الحكومة العراقية مؤخراً في هذا الشأن، وقد رأى فيه خبراء ومحللون عسكريون أميركيون، أنها محاولة يهدف منها الرئيس بوش وإدارته الحد من قدرة الرئيس الأميركي المقبل على سحب القوات الأميركية من العراق.

ورغم المكاسب الضئيلة التي تحققت حتى اليوم، ومنها تلبية الحكومة والقيادة السياسية العراقية ثمانية من المعايير الـ 18 التي حددتها لها الإدارة والكونغرس، مقياساً للنجاح، يبقى السؤال الكبير المطروح في أوساط الخبراء والمحللين السياسيين في واشنطن وهو إلى أي مدى سيؤدي إليه استمرار الحرب الأميركية في العراق، بالنسبة لانتشار عدم الاستقرار في دول مثل سوريا ولبنان والأردن وباكستان، وغيرها؟

ويجيب الكثير من الخبراء العسكريين ومنهم مسؤولون عسكريون سابقون على السؤال بالقول: إن أفضل سبيل لاحتواء احتمال انتشار العنف في المنطقة، هو انسحاب القوات الأميركية وترك العراق. رغم كل ما يقال من محاذير من ذلك، وإن إنهاء الحرب في العراق، قد يدفع دول الجوار للقيام بدور التوسط بين الفئات العراقية المتنازعة، وليس التدخل وإشعال المزيد من نيران الحرب.

لكن هذا الرأي بعيد عما تخطط له الإدارة، فكل المؤشرات تدل على أن القوات الأميركية باقية في العراق، بعدد لا يقل عن 40 ألف جندي حتى عام 2017، وبالتالي فإن المعضلة مستمرة، وهذا ما يعترف به المسؤولون في الإدارة.

ومهما يكن بشأن تقييم ما أسفرت عنه الحرب بعد خمس سنوات، فإن الكثير من كبار المسؤولين الذين خططوا لها، وشجعوا على شنها، وتبنوها ونفذوها لم يعد في موقع السلطة.

وان معظمهم بدأ يتبرأ من مسؤولية ما أدت إليه من كوارث، وآخرهم دوغلاس فايث، وكيل وزارة الدفاع الأميركية، إبان وجود وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، الذي سيصدر كتاباً الشهر المقبل، يحمل فيه أوزار الحرب على الآخرين، ولا يحمل نفسه أية مسؤولية، رغم أنه كان من أشد الذين حرضوا على شن الحرب المستمرة، ومعها تستمر الكوارث التي أنجبتها.

واشنطن ـ محمد صادق