يعتبر البعض ان الادارة الاميركية ارتكبت سلسلة طويلة من الاخطاء قبل وبعد غزوها للعراق، وان الحصيلة النهائية تشكل خمس سنوات من القرارات غير السليمة ، اضطر القادة الاميركيون الى الاقرار بسوء عواقبها في نهاية المطاف رغم المكابرة في فترات سابقة.

فمن البحث عن اسلحة الدمار الشامل التي لم يثبت وجودها ابدا، الى محاولة ايجاد رابط بين الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وتنظيم القاعدة، ومرورا بحل الجيش العراقي والمؤسسات الحكومية العراقية من قبل الحاكم الاميركي للعراق بول بريمر، دفعت ارض الرافدين ثمن اصرار الادارة الاميركية على ارتكاب الخطأ تلو الاخر، قبل ان يقر رموز الادارة بالنتائج السلبية لكل ما جرى ودار على ضفاف دجلة والفرات. وفي قمة جبل الاخطاء، كان غزو العراق نفسه من دون الحصول على موافقة الامم المتحدة ووسط معارضة دول اوروبية ذات ثقل ووزن مثل فرنسا والمانيا فضلا عن الرفض الروسي.

وعندما حصل الغزو ارتكبت القوات الاميركيه اخطاء فادحة في تشجيعها بعض العراقيين على اعمال السلب والنهب والحرق التي طالت اغلب مؤوسسات الدوله واتت على ماتبقى من البنى التحتيه للبلاد.

ولعل اكثر ما دار حوله الجدل من اخطاء ما بعد الغزو هو قرار بريمر في مايو 2003 بحل الجيش العراقي، وما اذا كان الرئيس بوش وافق على القرار ام ان بريمر اخذه من وراء ظهره.

ووفقا لكتاب الصحافي روبرت دريبر الذي حمل عنوان «مؤكد تماماً: رئاسة جورج بوش» نقل عن الرئيس الأميركي قوله له في حديث مباشر بين الاثنين أنه فوجيء بقرار حل الجيش العراقي، وأنه كان يعتقد بأن السياسة تقتضي إبقاء هذا الجيش، وأن حلّه كان خطأ.

بريمر سارع الى نفي هذا الاتهام الخطير وفضل ان يكون مكتوباً ومعززاً بالوثائق والرسائل الرسمية، ومن بينها عدداً من الرسائل المتبادلة بينه وبين بوش في تلك الفترة التي كان فيها الحاكم الأميركي المطلق في العراق. كان أهمها رسالة يعود تاريخها إلى أقل من شهرين على وقوع الاحتلال (مايو 2003) يبلغ فيها بوش الحاكم بريمر بخطّته حول حل الجيش وأجهزة الاستخبارات. و أوضح بريمر في سياق ردّه (الذي نشر في صحيفة «نيويورك تايمز») وهو أن قرار حل الجيش العراقي يعود إلى الرئيس وقد اتخذه وأبلغه اليه، وليس هو صاحب قرار الحل.

وقال بريمر في الصحيفة الأميركية أنه عندما كتب للرئيس بوش في مايو 2003 قائلاً بأن الأولوية هي«التأكيد للجميع بأن صدام والبعث قد انتهوا»، وأن الولايات المتحدة مصممة على اجتثاث أعضاء الحزب من المؤسسات الرسمية (بموجب القرار رقم 1 الذي اصدره الحاكم المدني)، على أن يتبع ذلك قرار حل الجيش، أجابه بوش ممتناً بإعجاب على ديناميكيته القيادية، وأعرب له عن كامل ثقته به، وتفويضه بالتصرف.

وفي ضوء هذا التفويض جاء القرار (رقم 2 الصادر عن الحاكم المدني بريمر بتاريخ 23 مايو، والقاضي بحل الجيش) كما كتب بريمر لصحيفة «نيويورك تايمز» مؤكدا أن هذا القرار قد بحث مراراً مع وزير الدفاع في ذلك الوقت دونالد رامسفيلد وقد سبق له أن أرسل مسودته إلى الأركان الأساسيين في وزارة الدفاع، بمن فيهم نائب الوزير بول وولفوويتز ومساعده دوغلاس فيث وسائر هيئة الاركان. وأنه لم يتخذ قرار الحل من نفسه.

ثم قامت الولايات المتحدة باستصدار القرار( رقم1483) الذي شرع الاحتلال في وقت لم تكن مؤهله للنهوض بالالتزامات التي تفرضها صفة البلد المحتل وفي مقدمة ذلك حفظ الامن والنظام وحماية الحدود الخارجيه فما استطاعت حفظ الامن ولا حماية الحدود فساد الانفلات الامني وتسلل الالاف من المسلحين الى داخل العراق وهو ما ترجم في مئات التفجيرات والعمليات التي دفع المدنيون ثمنها الفادح.

العقاب الجماعي وأسلحة الدمار

كما ارتكبت سلطات الاحتلال المزيد من الاخطاء في تعاملها مع العراقيين فاستخدمت القوه المفرطه والعقاب الجماعي مما زاد من نقمة المواطن العادي ما جعل قوات الاحتلال تكسب اعداء جددا يوما وراء الاخر.

وبعد فشل اجهزة الاستخبارات الاميركية في العثور على اسلحة الدمار في العراق، والتي كانت في مقدمة مبررات الحرب، اكدت دراسة اعدتها وزارة الدفاع الاميركية «البنتاغون» في النصف الاول من مارس الجاري انه لم تكن هناك علاقة مباشرة بين الرئيس العراقي السابق صدام حسين وتنظيم القاعدة، خلافا لما اكده بوش ونائبه ديك تشيني لتبرير غزو العراق.

واوضحت الدراسة التي اعتمدت على دراسة 600 الف وثيقة رسمية عراقية وجلسات استجواب استغرقت آلاف الساعات مع شخصيات كانت قريبة من صدام ان كل هذا «لم يؤد الى اكتشاف اي علاقة مباشرة بين عراق صدام والقاعدة».

وكان تقريران سابقان قدمتهما لجنة خاصة بالتحقيق في اعتداءات 11 سبتمبر 2001 والمفتش العام لوزارة الدفاع الاميركية في 2007 توصلا الى النتيجة نفسها التي تفيد ان صدام حسين لم يكن على صلة بتنظيم «القاعدة».

كما اقرت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس بفشل الادارة الميركية في اعادة بناء الدولة العراقية بعد الغزو. وقالت امام احدى لجان الكونغرس «نعم لقد تعلمنا انه كان من المهم فعلا ان نتمكن من مساعدة الاخرين على بناء دولتهم ومساعدة الاخرين على بناء امتهم». لكن رايس التي كانت مستشارة الامن القومي في البيت الابيض خلال غزو العراق عام 2003 قالت ان «هذا شيء يجب ان يقوم به المدنيون».

وبالتوازي مع الجدل الدائر في واشنطن بشأن اخطاء الحرب وما بعد الغزو ، كان الحليف البريطاني في مرحلة ما بعد رحيل توني بلير مشغول هو الاخر بالقضية نفسها، وهو ما دفع رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون الى قطع وعد بفتح تحقيق بشأن التدخل العسكري في العراق وتبعاته بغية «استخلاص كل العبر الممكنة».

ووفقا لصحيفة «ذي اندبندنت» فان براون الذي اقر بان اخطاء قد ارتكبت في تنظيم مرحلة ما بعد الحرب، اعتبر ان هذا التحقيق لا يمكن ان يجرى طالما ان الوضع على الارض ما زال «هشا».

واذا كان الحليف البريطاني يعتزم فتح تحقيق واسع في الاخطاء المرتكبة في العراق ، فهل يأتي اليوم الذي تتخذ الادارة الاميركية قرار مماثل على الاقل من اجل «استخلاص العبر والدروس» كما يذهب براون؟.

«الصنداي تايمز»: خطة الحرب أعدها أغبى رجل في العالم

يقول معلق صحيفة «الصنداي تايمز» البريطانية سيمون جينكينز تحت عنوان «الامبريالية المخففة التي تطيل حرب العراق»، ان القرارات اتخذت في مكتب وزير الدفاع السابق دونالد رامسفلد قائمة على مخطط «اجتياح مخفف»، يقضي بإسقاط النظام في بغداد وتنصيب رئيس موال للولايات المتحدة وثم المغادرة. والرئيس الذي كان من المفترض تنصيبه هو احمد الجلبي. مضيفا كما ان القيادة العسكرية أعلمت بأن تكون جاهزة لسحب الجيش بعد ستة اشهر من الغزو.

ويشير جينكينز إلى ان الذي صاغ المخطط ليس الا رئيس التخطيط في وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» دوغلاس فايث الذي وصفه لاحقا الجنرال الأميركي تومي فرانكس ب«الرجل الأكثر غباء على سطح الأرض».

ويتطرق الكاتب إلى كتاب جوزف ستيجليتز الجديد، والذي يقول فيه ان كلفة الحرب هي في الحقيقة 60 ضعف رقم ال50 مليار دولار الذي تتداوله الأوساط الرسمية الأميركية، وذلك بالإضافة إلى مسؤولية هذه الحرب عن تردي الأوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة. ويختم جينكينز بالقول ان «احتلال العراق يعبر عن صدمة قوة عظمى جرحت من جراء اعتداء إرهابي واحد، فقررت ضرب أي دولة مسلمة تخطر في بالها، وبعد تفتت كابول، حول رامسفلد نظره إلى العراق».

الرابحون والخاسرون

صنفت صحيفة «الاندبندانت» البريطانية الرابحين والخاسرين في الحرب على النحو التالي:

الرابحون هم:

- نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني، لانه لا يزال في منصبه ولان شركة هاليبورتون التي كان تيرأسها استفادت ماديا من الحرب.

- ايران، لان الايرانيين لم يحلموا يوما بأن يأتي «الشيطان الاكبر» بنفسه ليقضي على عدو ايران الاول صدام حسين. وبالاضافة الى ذلك تمكن رجال الدين العراقيون الشيعة المقربون من ايران تولي ارفع المناصب الحكومية، ووجود ايران على مقربة من الجنود الاميركيين ما يجعلهم في خطر يزعج الرئيس الاميركي جورج بوش، ويجعل اسرائيل متوترة.

- السير جون سكارليت الذي صاغ مع مدير مكتب توني بلير الاستير كامبل، التقرير عن اسلحة الدمار الشامل في العراق وانتقد لسماحه باستعمال جهاز الاستخبارات لاغراض سياسية. الا ان بلير كافأه بتعيينه على رأس المخابرات الخارجية.

- تنظيم القاعدة لان الحرب على العراق هي التي ادخلت هذا التنظيم اليه ما خفف الضغط على منظمة اسامة بن لادن في افغانستان وباكستان.

- الاكراد الذين استعمل صدام حسين ضدهم الاسلحة الكيماوية، استفادوا من اسقاط نظام صدام وموافقة الاميركيين على طريقة ادارة الاكراد لوضعهم في شمال العراق، وهو اقرب نموذج الى الدولة يصلون اليه.

أما الخاسرون، فهم:

- الرئيس جورج بوش، لأن المؤرخين الاميركيين بدأوا بالبحث منذ الآن عما اذا يجب تصنيفه كأسوأ رئيس اميركي، علما ان تشيني ورامسفلد يتحملان مسؤولية اكبر الا انه سيبقى المسؤول الاكبر عن الاذى الذي لحق بالولايات المتحدة.

- المحافظون الجدد الذين تمكنوا من الجمع بين الغطرسة والاهمال بطريقة كارثية، فقد تم اذلالهم عندما اصطدمت ايديولوجيتهم بالواقع، ولكن العراق سيعاني من رواسب تصرفاتهم لعشرات السنين.

- توني بلير الذي كان قد تمكن من الاستمرار برئاسة الحكومة البريطانية، لو لم يلطخ تورطه في العراق سجله السياسي، ولكن مع الملايين التي يجنيها اليوم، يعتقد البعض انه من الصالح تصنيفه في خانة الرابحين.

- الفلسطينيون الذين عانوا من عدم ضغط واشنطن على اسرائيل للاسراع في عملية السلام وذلك لانشغال الاميركيين في حربهم على العراق.

- الاعلام الاميركي الذي لطالما تبجح بالدقة والمصداقية، وجد نفسه في حالة «هستيريا الحرب» فكانت اخطاء كبيرة حتى من قبل مؤسسات عريقة مثل صحيفة «نيويورك تايمز».

- افغانستان التي استفادت في الفترة الاولى من اهتمام العالم، ولكنه ومع اندلاع حرب العراق، خفف الاميركيون اهتمامهم بافغانستان ما آل الى استعادة حركة طالبان وتنظيم القاعدة القدرة على المبادرة في الكثير من المناطق.

دبي- طلعت اسماعيل