تبدلت مشاعر الفرح والحزن لدى عائلتين فلسطينيتين بعد اكتشاف تبدل مصير ابنيهما اللذين أصيبا خلال قصف إسرائيلي على جباليا شمال قطاع غزة بين الحياة والموت، ليرتسم المشهد على فصل غريب يعكس التراجيديا (المأساة) التي يعانيها الفلسطينيون.

وبدأت فصول المأساة في الأول من مارس الجاري خلال عملية التوغل التي نفذها الجيش الإسرائيلي في جباليا عندما فقدت عائلة أبو سلامة نجلها أحمد (15 عاماً) وبقيت تبحث عنه ثلاثة أيام بين القتلى والجرحى حتى تم التعرف على جثة شبيهة به كانت في ثلاجة الموتى في المستشفى فظنت العائلة أنه ابنها فأخذته لتواريه الثرى.

وقال والد الطفل: «خرج أحمد في اليوم الأول من الشهر.. كان الوضع خطيرا.. قلقنا عليه.. انتظرنا عودته ولم يعد، مرت الساعات وكان خوفنا وقلقنا يزداد بحثنا عنه في كل مكان بلا جدوى.. بعد ثلاثة أيام وتحديداً في الرابع من شهر مارس الجاري، تم إبلاغنا بوجود جثمان في مستشفى الشهيد كمال عدوان في شمال القطاع لم يتعرف عليه أحد».

وأضاف أن الجثمان «كان مجرد كتلة لحم بلا معالم، ولكن كان مضى أيام ولم يتم التعرف عليهم لذلك ساد الاعتقاد انه ابني ميشو (وهو اللقب الذي تطلقه العائلة على أحمد)». ولم يسمح الضغط وقلة الإمكانات الذي عاشته مشافي القطاع مع كثرة الضحايا جراء القصف الإسرائيلي على قطاع غزة الذي خلف خلال عملية الشتاء الساخن التي نفذتها القوات الإسرائيلية واستمرت عدة أيام 132 شهيداً و370جريحاً بالمزيد من التحقق.

ووري هذا الجثمان الثرى بعد أداء صلاة الجنازة عليه في مسجد العودة بمخيم جباليا القريب من منزل العائلة واستقبلت العائلة المعزين فيما اتشحت والدته باللباس الأسود حزناً على فلذة كبدها الذي لن تراه أبداً. وقال والد الطفل: «احتسبت ابني شهيدا ودفنته وفتحت بيت العزاء وأقامت حركة الجهاد الإسلامي بيت العزاء بعد ان تبنته باعتباره احد مؤيديها». وقالت والدة الطفل إنها كانت تشعر أن من تم «مواراته ليس ابنها ولكن ما كانت تستطيع إثبات ذلك بعد دفن الجثمان وتقبل التعازي من النسوة والسكان الذين جاؤوا لمواساتها».

وحصلت المفاجأة يوم أول من أمس الخميس عندما جاء أصدقاء أحمد في مشهد غاية في الغرابة يهللون ويقولون لوالدته أن ابنها أحمد حي في مستشفى الشفاء في قسم العناية المكثفة، وأن أحدهم قد رآه عندما كان في زيارة لأحد أقربائه في المستشفى. ولم تترد الأم التي كانت تشعر أن من وارته الثرى ليس ابنها وذهبت مع عدد من أفراد العائلة إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة واللهفة على وجوهم ويتساءلون إن كان ما سمعوه صحيحا أم لا؟ وفي قسم العناية المكثفة اقتربت الأم من ابنها وتعرفت عليه من خلال شعره المائل إلى اللون البني وبعض العلامات الأخرى على جسده التي أمكن بعض التحسن على حالته من إظهارها.

وامتزجت دموع الأم وابنها مع دموع أفراد العائلة لحظة اللقاء الذي امتزجت فيه المشاعر الفرحة بالعثور عليه حياً وألم اكتشاف طبيعة إصابته وأنه فقد النطق، علاوة على أن وجهه محروق بالكامل ولا توجد له أية معالم. وبقدر ما خلف اكتشاف وجود أحمد حياً يرزق رغم جراحه الخطيرة من فرحة لدى عائلته خلف حزناً وكمداً لدى عائلة أخرى بقيت إلى جانب الجريح الذي ضاعت معالم وجهه لمدة 13 يوماً تدعو الله وتراقب تحسن حالته والأمل يحدوها بنجاته لتكتشف في النهاية أنه ليس ابنها.

فذوو الطفل منصور حجازي الذين لازموا البقاء أمام قسم العناية المركزة طوال الأيام الماضية يترقبون أي تحسن على حالة من ظنوا أنه ابنهم الذي ضاعت ملامح وجهه بعد أن لف بالشاش الأبيض والتشوهات التي ألمت به نتيجة إصابته، لم يستطيعوا أن يصدقوا أن هذا الجريح الذي لازموه 13 يوماً ليس ابنهم وأن ابنهم حرموا حتى من وداعه ومواراته الثرى. وانهارت والدة الطفل بعد أن كان الأمل يحدوها ليعود إليها نجلها ولو بعد حين، وذهبت مع باقي أفراد العائلة لقبر ابنها في المكان الذي دفنته فيه عائلة أبو سلامة قبل أن تعود لفتح بيت عزاء جديد له ليكون الطفل ذا العزاءين.

(يو.بي.آي)