ما بين لقاء جماهيري حاشد بأبناء الجالية السودانية في الدولة، ولقاء صحافي حاشد أيضاً بمندوبي الصحف والفضائيات ووكالات الأنباء العالمية، فصلت بينهما سويعات قليلة، أفاض الرئيس السوداني المشير عمر حسن البشير، في الحديث عن تفاصيل الأوضاع الداخلية في بلاده وعلاقاتها الخارجية، إضافة إلى النتائج «الباهرة» لزيارته للدولة التي دامت ثلاثة أيام والتي شبهها بـ «أيام العيد».
وكان القاسم المشترك في حديثه خلال اللقاءين عناوين سياسية مهمة أبرزها:* تأكيده عدم العودة إلى الحرب في جنوب البلاد.* وتصميم حكومته على إصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة خصوصاً والعالم الغربي عموماً، معترفاً بأن البلاد تخسر كثيراً بعطب هذه العلاقات وتكسب كثيراً برأبها.* وتبشيره بحل وشيك لأزمة الخلاف حول تبعية منطقة (ابيي) الغنية بالنفط الواقعة في الحدود بين شمال البلاد وجنوبها.* وتأكيده على ضرورة الحل السلمي لأزمة إقليم دارفور «الذي باتت 90% من مناطقه آمنة تماماً».
* وإعلانه استمرار السجال مع الأمم المتحدة حول القوات «الهجين» التي ستنتشر في الإقليم وخصوصاً حول قبول كتيبة تايلاندية قررت المنظمة الدولية نشرها دون التشاور مع الخرطوم. * وإعلانه عن تشككه في المصالحة مع الرئيس التشادي ادريس ديبى الذي قال انه «سوداني مولداً ونشأة» خلال القمة الإسلامية في داكار. * ودعوته إلى ضرورة دعوة الحكومة اللبنانية إلى القمة العربية المرتقب عقدها في دمشق في حال تعذر انتخاب رئيس قبل ذلك. * وتأكيده على استمرار الدعم الصيني لبلاده رغم الضغوط التي تمارس على بكين.
المؤتمر الصحافي
في المؤتمر الصحافي الذي عقد صباح أمس، كما في لقائه مع الجالية الذي عقد بمقر القنصلية السودانية في دبي، استهل الرئيس البشير حديثه بالتنويه بالتطور الذي شهدته الدولة والإشادة بقيادتها الحكيمة، مؤكداً أن زيارته أسفرت عن نتائج «أكثر مما كان متوقعاً».
وقال ان الزيارة تمت بدعوة كريمة من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة في إطار التطلع لدعم الروابط الحميمة والقوية التي تربط بين الإمارات والسودان.
روابط حميمة قديمة
وذكَّر في هذا الصدد بأن السودان كان أول بلد يعترف بالإمارات العربية المتحدة فور إعلان الاتحاد، وان الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري كان أول رئيس دولة على الإطلاق يزور الإمارات بعد إعلان الاتحاد، كما أن السودان كان أول بلد يزوره المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بعد الاتحاد.
ونوه بالتقدير الذي يجده أبناء الجالية السودانية في الإمارات منذ قدوم الرعيل الأول «الذين تسنموا مواقع مهمة في مختلف أجهزة الدولة، وحتى الآن».
وقال الرئيس السوداني ان الرؤى تطابقت، خلال المحادثات الرسمية بين القيادتين، بشأن القضايا الإقليمية خصوصاً حول ضرورة إنجاح القمة العربية المقبلة في دمشق.. وقال: «تناولت المحادثات أيضاً طبيعة الأوضاع في السودان خصوصاً بعد إحلال السلام والانجازات التي تمضي قدماً في ظل الاستقرار، والمراحل المقبلة من إنجاز التطور السياسي عبر الانتخابات المرتقبة والاستفتاء حول حق تقرير مصير الجنوب لتحقيق الوحدة الطوعية بدلاً من فرض الوحدة الذي كان سبباً في الحرب».
وأضاف: «شرحنا أيضاً الأوضاع في دارفور وبينا أنها أزمة مصطنعة لفعل الإعلام المعادي الذي ينقل صورة مزيفة بجانب التدخلات الخارجية التي تعطل الحل السلمي وتحقيق الاستقرار في بقية أنحاء الإقليم الذي ينعم 90% منه بأوضاع آمنة وطبيعية».
وفي سياق إجابته عن أسئلة الصحافيين كرر الرئيس السوداني أكثر من مرة كيف أن الحرب مكلفة ومدمرة، مشيراً إلى قصر الفترة الانتقالية المقررة قبل استفتاء الوحدة مقارنة بحجم الدمار الذي حل في الجنوب.
وقال ان الدول المانحة كانت تعهدت بما إجماله 5,4 مليارات دولار، فور توقيع اتفاق السلام لكنها تنصلت لاحقاً تحت تأثير ضغوط خارجية. وأضاف: «اننا رغم كل ذلك نجتهد لتحقيق التنمية في الجنوب بإمكانياتنا الخاصة».
العلاقة مع أميركا
ورداً على سؤال من «البيان» حول ما يلمسه المراقبون في الآونة الأخيرة من تحرك سوداني لإصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة، قال البشير ان «أميركا دولة كبيرة ومؤثرة وتوتر العلاقات معها أمر مكلف بقدر ما يجلبه التصالح معها من مصالح..»، وأضاف: «نحن لا مصلحة لنا في معاداة أميركا لكننا نلاحظ شيئاً مريباً في مساعينا للتطبيع.. إذ كلما عينوا مبعوثاً خاصاً وبعد ان نتحدث معه ونشرح الأوضاع على حقيقتها ويكاد يقتنع بوجهة نظرنا تفاجئنا الإدارة الأميركية بتغيير هذا المبعوث!!».
وأردف القول: «لكننا مصممون على ان نمضي في جهودنا بصبر، وسنكرس في هذا الاتجاه العلاقات الممتازة التي تربط بين الحركة الشعبية (الشريكة في الحكم) والأميركان.. ويبذل وزير الخارجية الحالي دينق ألور (من الحركة) جهوداً حثيثة نحو هذا الهدف خصوصاً وان الحركة هي من خربت علاقاتنا مع واشنطن في إطار الحرب التي كانت تدور بيننا وبينهم، حيث حرضوا ضدنا مجموعات ضغط مازالت تواصل معاداتها للسودان رغم اتفاق السلام.. والآن كلفناهم (الحركة) بإصلاح ما خربوه».
السودان مستهدف
لكن الرئيس السوداني عاد، في سياق رده على سؤال آخر، ليكيل الاتهام لبعض القوى «الغربية والصهيونية والصليبية» باستهداف السودان لأسباب عديدة أبرزها، كما قال، ان السودان جزء من العالم العربي والإسلامي التي تعاديها تلك القوى بالضرورة.. إلى جانب توجسها من الموقع الجغرافي الاستراتيجي للسودان بوصفه جسراً للعالم العربي والإسلامي إلى إفريقيا.. وقال ان هذه القوى تصنف القارة السمراء إلى قسمين: إفريقيا شمال الصحراء باعتبارها عربية ومسلمة وإفريقيا جنوب الصحراء باعتبارها زنجية مسيحية، ولذلك يخشون من السودان لأنه يربط بين هذين الجزأين.
وأشار إلى ان حرب الجنوب «افتُعلت» في هذا السياق الاستهدافي حين اشتعلت تحت الحكم البريطاني (قبل الاستقلال).
ولاحظ البشير ان «المجموعات المسلحة التي تواجه الحكومات يطلق عليها صفة الإرهاب، إلا في السودان، حيث يجد المسلحون كل أشكال الدعم السياسي والمادي والعسكري والإعلامي من الخارج فضلاً عن تهيئة الأراضي التي تنطلق منها هجماتهم».
الأزمة مع تشاد
وانتقل في هذا السياق إلى الحديث عن التوتر الذي يشوب علاقات بلاده مع جارتها الغربية تشاد، وأكد أولاً على ان تشاد «جارة تربطنا بها أواصر حميمة لا تتوفر في علاقاتنا مع أي دولة أخرى. إلى درجة ان السكان في الجانبين لا يعترفون بالحدود» نسبة لتداخل القبائل. وقال ان أول من أسس دولة تشاد قبل ان تستعمرها فرنسا مواطن سوداني اسمه رابح الذي أسس العاصمة واختار لها اسم «أنجمينا»، وبعد الاستعمار سميت العاصمة «فورت لامي»، لكنها استعادت اسمها الحالي بعد الاستقلال. وأضاف البشير «ان ديبي نفسه (رئيس تشاد الحالي) سوداني الجنسية إذ ولد ونشأ وتعلم في السودان».
وبعد ان أشار إلى ان العلاقات بين البلدين كانت «متميزة» إلى حين اندلاع التمرد (في دارفور)، واستعرض مراحل تدهور العلاقات، شكك البشير صراحة في جدوى اللقاء المرتقب بينه وبين الرئيس التشادي على هامش مؤتمر القمة الإسلامي في داكار هذا الأسبوع والذي أعلن عنه الرئيس السنغالي عبدالله واد، مشيراً إلى ان الرجلين سيوقعان على اتفاق مصالحة.
وقال البشير: لقد سبق ان وقعنا مع تشاد خمسة اتفاقات في طرابلس وسرت وأكدناها في الرياض برعاية خادم الحرمين الشريفين (في مايو الماضي).
وقال «في السعودية أدينا العمرة معاً أنا والرئيس التشادي وصلينا معاً داخل الكعبة ووضعنا يدنا بيد بعض وأكدنا الاتفاق وقلت له بعد ذلك: (الخائن الله يخونه)».
وتساءل البشير في تجسيد واضح لشكوكه في لقاء داكار: «إذا كان قد نكص (ديبي) بالاتفاق الذي تم داخل الكعبة فهل يعقل الوثوق في التزامه باتفاق يوقع في داكار؟».
أرقام مزيفة
وعاد البشير يوجه الاتهام للإعلام «الغربي المعادي» بتزييف الحقائق في دارفور وتضخيم الأحداث هناك «من أجل تغطية جرائم إسرائيل في فلسطين وجرائم أميركا في العراق وأفغانستان».
وقال ان هذا الإعلام يتجاهل «مقتل مليوني عراقي وتشريد 10 ملايين آخرين داخل وخارج العراق ليركز على دارفور».
واستطرد: «يتجاهلون هذه المأساة ويتحدثون عن مزاعم بسقوط مئات الآلاف من القتلى في دارفور ونتحداهم في هذه الأرقام المزيفة».
واتهم «الإعلام المعادي» بتصوير «مجرد احتكاكات قبلية نتيجة شح الموارد كصراع على خلفية إثنية بغرض بث الفرقة بين العرب والأفارقة.. رغم ان القبائل العربية في دارفور تشهد فيما بينها مواجهات أكثر من تلك التي تقع بينها وبين القبائل غير العربية».
اللقاء مع الجالية
قمة المشهد الدرامي في لقاء الرئيس السوداني بالآلاف الذين احتشدوا لسماعه في مقر القنصلية السودانية بدبي، تمثل في ابتداره حديثه التلقائي أمامهم باعتباره «مغترباً سابقاً»، مشيراً إلى تجربته السابقة في العمل في الإمارات منتدباً من الجيش السوداني، في أواخر الثمانينات قبل ان يعود إلى بلاده ويقود انقلاباً أتى به إلى سدة الحكم.
واضحك البشير الجماهير المحتشدة بسرد ما كان يعانيه ورفاقه في مناطق الدولة النائية «التي تحولت الآن إلى مناطق حضرية مزدهرة» حسب قوله.
وقال انه سعيد بأن يخاطب أبناء الجالية باعتباره «عضواً سابقاً» فيها مما يضفي على الزيارة «طعماً خاصاً يأخذ نكهته من ذكريات جميلة بهذا البلد».
وأضاف انه وقف شخصياً على «التطور الهائل» الذي شهدته الإمارات، مشيراً إلى أن ذلك «لم يتحقق بوفرة المال فحسب وإنما بحكمة القيادة القدوة التي جعلت للدولة الفتية مكانة رفيعة بين الدول بل وفي قلوب كل الناس».
ثم دلف إلى الحديث عن نتائج زيارته التي دامت ثلاثة أيام والتي وصفها بأنها «أيام عيد حقيقي»، مشيراً إلى ان الزيارة حققت أهدافها «بأكثر مما كنا نتصور»... وأضاف: «كنا قبل المجيء إلى هنا متحفظين بعض الشيء لكننا سعدنا بقبول القيادة الإماراتية الحكيمة كل مشروعاتنا التي طرحناها».
وأعرب الرئيس البشير عن تطلعه إلى «تحقيق شراكة واضحة بين البلدين، مستفيدين من الإمكانيات المادية للإمارات التي باتت أكبر الدول المصدرة لرأس المال، فضلاً عن خبراتها في التنمية والتي هي ظاهرة للعيان، واستثمار كل ذلك في تنمية الموارد والإمكانات التي حبانا بها الله في السودان».
وقال: على ضوء ما وجدناه من ترحيب وحماس نرى إمكانية تحقيق تكامل اقتصادي فاعل لن يكون في صالح بلدينا فحسب بل في صالح العالم العربي والقارة الإفريقية».
قفشات وزير الخارجية
* أثار وزير الخارجية دينق الور (وهو جنوبي فارع الطول) ضحك الجماهير عندما اعتلى المنصة لتقديم الرئيس البشير، إذ انحنى كثيراً ليقول بنبرة جادة: أولاً أود أن أبلغكم شيئاً مهماً.. وعندما أرهف الجميع السمع بلهفة قال ضاحكاً: أنا لست طويلاً ولكن هذا «المايك» قصير جداً.
* وبدأ الور كلمته بلغة عربية رصينة بالإشادة بقصيدة الشاعرة عوضية يوسف (كما فعل البشير لاحقاً)، ولكنه بدا منزعجاً من بعض (الشعراء) من الجمهور الذين كانوا يقاطعون كلامه ليلقوا ببضعة أبيات حماسية.. فعلق قائلا: يبدو أن جميع شعراء السودان اغتربوا!!.
* واعتراف الوزير بأن الحركة الشعبية (التي ينتمي إليها) هي التي خربت العلاقات مع أميركا أيام التمرد وقال: «دي ألاعيب كنا بنلعبها» وقال ان أول توجيه تلقاه من البشير عقب تعيينيه كان مفاده التعجيل بالتطبيع مع أميركا إذ قال لي: «زي ما خربتوها صلحوها».
مشادة الرئيس والمبعوث البريطاني
أثار الرئيس البشير حماساً وحمية وهتافاً مدوياً عندما كشف خلال كلمته أمام أبناء الجالية عن مشادة تمت بينه وبين المبعوث البريطاني، عندما جاء يهدد بالويل والثبور ابان رفض السودان للقرار الدولي الأول بشأن دارفور.
وقال البشير: «قلت له إن هذا القرار يؤسس لاستعمار جديد.. والسودان لن يستعمر بقرار.. إذا أردتم أن تعودوا كمستعمرين عليكم تجييش الجيوش ومواجهتنا وادخلوا على جثثنا».
وأضاف «ذكرته بأن الخليفة عبدالله التعايشي (خليفة قائدة الثورة المهدية) ما كان ليدخل التاريخ لو انه استسلم لقواتكم عندما غزوتم السودان ولو فعل لكان عليه لعنة التاريخ حتى اليوم رغم انه كان يدرك ضخامة إمكانياتكم العسكرية وضعف موقفه الحربي.
واستطرد: «ذكرته انه في موقعه كرري (التي واجه فيها الجيش البريطاني ثوار المهدي) استشهد 18 ألف سوداني في ساعة ونصف فقط». لكن البشير لم يسرد ماذا حدث بعد هذه المشادة!
لقطات
* غص الفناء الخلفي للمقر الجديد (الأنيق) للقنصلية السودانية بأكثر من ألفي شخص بأعمار مختلفة من الشيب والشباب فضلاً عن تواجد مكثف للنساء.
* بين الفينة والأخرى كانت الزغاريد تنطلق وسط تهليل وتكبير من بعض الأفراد وزادت وتيرة ذلك عندما اعتلى البشير المنصة وعندما بدأ الحديث.
* خطفت الشاعرة عوضية يوسف الأضواء بإلقائها «ملحمة» شعرية طويلة ترحيباً بالرئيس ووفده المرافق، مخصصة لكل فرد منهم بضعة أبيات تستلهم معاني اسمه.
* كان مشهداً مهيباً عندما هب جميع الحضور وقوفاً مع بدء عزف السلام الوطني السوداني لينطلق من حناجرهم بصوت واحد النشيد الوطني.. ولوحظ أن البشير كان يردد معهم النشيد بصوت عال.
* أفراد الجالية بمدينة العين (التي كان يقيم بها البشير حينما كان منتدبا بالدولة) فاجاؤا الحضور عندما (اقتحموا) ساحة اللقاء بمسيرة حماسية وهم يرفعون لافتات الترحيب بالبشير ويرددون الهتافات الحماسية التي تمجده.
* رئيس الجالية السودانية كمال حمزة حرص في كلمته على الإشادة بالخطوات الوفاقية الأخيرة وأوصى البشير بالصبر والمثابرة، لكنه انتزع تصفيق الحضور عندما وجه إلى البشير مطالبات محددة تمس حياة المغتربين خصوصاً إعفائهم من ضرائب «السيارة والأثاث» حال عودتهم النهائية، كما ركز على مطالبة البشير بدعم جامعة المغتربين وهي مطالب وجدت تعاطفاً من البشير وان لم تصل إلى درجة إصدار توجيهات صريحة حسبما كان يأمل أبناء الجالية.
متابعة: محمد خليل كاره


