دخل قانون الانتخاب اللبناني حلبة التجاذب السياسي وتحول من بند خلافي ثالث بعد موضوعي الرئاسة والحكومة إلى بند أول على جدول المساعي العربية والمحلية من أجل تقريب وجهات النظر بين رؤيتين متباعدتين: الأولى تطالب بالانتخاب على أساس قانون العام 1960 أي القضاء، والثانية تدعو إلى دائرة أصغر أو الدائرة الفردية التي أقرها قانون العام 1953، وبينما ترى الغالبية أن جعل لبنان دائرة واحدة سيعطي غلبة لطائفة ما ذات أكثرية عددية، ترى المعارضة أن اعتماد القضاء دائرة انتخابية تقنين لحرب العصابات.

وايا تكن الرؤية للقانون المرتجى إلا أنه في جو كهذا يمكن التنبؤ بسهولة بفشل أي تفاهم على تسوية حول قانون انتخاب تغلب على صياغته المصالح الطائفية التي تأخذ من الدولة مجرد شعار أو واجهة.

هذه المشكلة الجديدة التي أضافت عبئا على المبادرة العربية وكل المبادرات اللاحقة المحتملة، يصوغ لها كل فريق مبررات لم تخرج من دائرة التطلعات المذهبية الضيقة بعيدا عن حلم لبنان دائرة انتخابية واحدة، الذي ترفعه كل القوى قبيل كل انتخابات في البلاد في حين تعمل على نسفه وإبعاده من جهة أخرى لتعارضه المطلق مع التكوينات والتكتلات الطائفية التي شب البلد وسيشيب عليها على ما يبدو.

المعارضة اللبنانية التي أعلنت رفضها المطلق لصيغة الدائرة المصغرة عزت الأسباب إلى قناعتها بأن هذه الصيغة هي بمثابة «إنتاج قانون لحروب عصابات ومناطق»، كما يقول النائب علي حسن خليل المقرب من الرئيس نبيه بري لـ «البيان»، مؤكدا على أن أي تعديل باتجاه تصغير القضاء أكثر سيعمق المشكلة ويترك آثارا انقسامية على الواقع اللبناني وبالتالي لا يخدم منطق الاستقرار.

وقال خليل إن «موقفنا من الأساس هو اعتماد الدائرة الكبرى على أساس النسبية وشعارنا هو اعتماد لبنان دائرة انتخابية ولكننا نتيجة الهواجس التي تحولت إلى حالة قلق لدى بعض اللبنانيين وبعد مطالبات عديدة من قبل البطريركية باعتماد قانون 1960 كونه يؤمن تمثيلا أفضل للمسيحيين عامة وللموارنة بشكل خاص وعلى قاعدة أن ذلك يمكن أن يؤمن تسوية حول مسألة قانون الإنتخاب ورغم عدم قناعتنا وكون هذا القانون يساعد على تنشيط الحياة السياسية بعيدا عن العصبيات الطائفية وتأثيرات المال وغيره ارتضينا بهذا القانون إستثنائيا».

وأكد خليل على أن أي تعديل لقانون الستين يجعلنا نعود للتمسك بقناعاتنا القائمة على الحاجة لإقرار قانون جديد يساعد على تعزيز التواصل بين المكونات اللبنانية ويعمق الحاجة إلى جعل علاقات الطوائف مع بعضها البعض ضرورة ويساعد على تنشيط الحياة السياسية والحزبية، وهذا برأينا يتأمن من خلال لبنان دائرة انتخابية واحدة على أساس قبولنا بالقضاء.

ورد على هواجس بعض المسيحيين بالتأكيد أن مستقبل لبنان واستقراره وحياته السياسية فيها إنصاف لكل اللبنانيين وبالتالي فالإستقرار وليس الإخلال بتركيبة لبنان في هذا الظرف الحساس هو من مصلحة المسيحيين قبل غيرهم.

ويعتبر القيادي في «14 آذار» الياس الزغبي أن المشكلة الأساسية في قانون 1960 هي في كونه لا يؤمن انتخاب عدد من النواب المسيحيين بأصوات الناخبين المسيحيين أنفسهم، وهو في أفضل الحالات يمثل نصف المسيحيين فقط، فمن أصل 64 نائبا مسيحيا هناك 32 نائبا ينتخبهم المسلمون.

وقال إنه بغض النظر عن كونه قانونا قديما منذ العام 1948 فهو صيغة تخطاها الزمن بمفهوم التقسيم الإداري والإنتخابي السليم الذي يؤمن صحة تمثيل كل الطوائف اللبنانية وتحديدا المسيحية منها، مشيرا إلى وجود دوائر بحسب القانون المذكور تتألف من ثمانية أو عشرة نواب في حين نجد دوائر أخرى تتألف من نائبين وحسب وهذا بحد ذاته غياب أو تغييب للعدل والمساواة بين المواطنين، فلماذا يحق لمواطن انتخاب عشرة نواب ولا يحق لغيره إلا انتخاب اثنين، مثال على ذلك منطقة بعلبك الهرمل المؤلفة من عشرة نواب مثلا.

ويتابع الزغبي أنه «إضافة إلى ذلك فإن الحرب التي حصلت في لبنان أحدثت تغييرا ديمغرافيا عميقا لجهة انتقال الناخبين من منطقة إلى أخرى أو نزوحهم وهجرتهم وغيرها من العوامل، وبالتالي فإذا كان الهدف من القانون 1960 هو تأمين تمثيل صحيح للمسيحيين كما تصر المعارضة، فالحقيقة هي أنه أكثر من 30 نائبا مسيحيا سيأتون إلى البرلمان بغير أصوات المسيحيين في معظم الأقضية، ومثال على ذلك أن النائبين المسيحيين في بعلبك الهرمل يُنتخبان بأصوات الشيعة.

وأكد الزغبي على أنه «لطالما هناك كتلة شيعية ناخبة يجسدها حزب الله وأمل بشكل جماعي فإن تأثير هذه الكتلة سيكون أساسيا في تسمية أكثر من 11 نائبا مسيحيا، وأكثر من ذلك أنه حتى في بعض الدوائر الأقضية ذات الغالبية المسيحية سيكون للكتلة الشيعية الناخبة تأثير أساسي، مثلا في قضاء بعبدا هناك نائبان شيعيان وثلاثة موارنة وواحد درزي الكتلة الشيعية الناخبة المتمثلة بحزب الله وحركة أمل ستحدد النواب المسيحيين الثلاثة طالما أن الأصوات المسيحية ستتوزع بين عدد من القوى، ففي جبيل المؤلفة من نائبين مارونيين وواحد شيعي فإن الكتلة الشيعية هي التي تفرض النائبين المسيحيين لأنه لا وجود عند الموارنة لكتلة ناخبة، وبالتالي فأينما وجد الشيعة سيكون لهم تأثير حاسم.

كذلك الأمر بالنسبة للأقضية ذات الأرجحية السنية فالكتلة الناخبة السنية هي التي تحدد أسماء النواب المسيحيين، وبالإجمال فالصوت المرجح في معظم الأقضية هوالصوت المسلم، ما يعني أن قانون 1960 يفرض أكثر من 30 نائبا مسيحيا بأصوات أكثرية غير مسيحية».

ويضيف الزغبى: «لذلك يفضل المسيحيون الدوائر الصغرى أو الدائرة الفردية وهذا يفترض تقسيم لبنان إلى أكثر من 50 دائرة وهذا قانون معتمد في أعرق الديمقراطيات كبريطانيا وغيرها على أساس شخص واحد للصوت الواحد».

ورأى الزغبي أنه في ظل هذا الواقع هناك مخرجان للأزمة الأول هو مخرج ديمقراطي عددي تمثيل المسيحيين بما يمثلونه اليوم فقط وهذا يتناقض مع المناصفة التي أقرها الطائف، أما المخرج الثاني فيتمثل بالبحث عن قانون انتخابي يجسد صحة المسيحيين بنصف العدد في مجلس النواب بأصوات المسيحيين وإلا تصبح المناصفة شكلية وخارجة عن معناها.

وبشأن الأسباب التي تعيق اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة أكد الزغبي أن تكوين لبنان الطائفي لا يسمح بذلك وهذا الأمر يتطلب أحزابا سياسية ديمقراطية تعمل على أساس ديمقراطي وتفترض تجانسا سياسيا على المستوى الوطني فأين التجانس عندنا هل اللبنانيون متفقون حول الخيارات الكبرى وحول السياسة الخارجية والدفاع الوطني، مشددا على أن لبنان يمر اليوم بمحنة تاريخية كيانية لا يمكن أن ينقذنا منها إلا وعي وطني كبير قبل أن يحصل الأسوأ.

بيروت ـ ثناء عطوي