يواجه اليمن أصعب تحد في تاريخه المعاصر والناتج عن حرب صيف 1994م والتي خاضها صانعو وحدته وأدت إلى خروج الحزب الاشتراكي وتفاقم الشعور بالضيم لدى سكان المحافظات الشرقية والجنوبية من البلاد التي كان يحكمها ويمثلها في تقاسم سلطة الدولة الجديدة.
وإذا كانت حركة احتجاجات المتقاعدين العسكريين قد خفتت مع إعادة عشرات الآلاف منهم إلى الخدمة، فإن تحول المطالب الحقوقية الوظيفية إلى مطالب سياسية تنشد عودة الشراكة في السلطة بين شطري البلاد، وبروز الدعوات الداعية للانفصال لا تعيد البلاد إلى أجواء الحرب المدمرة التي وقعت بين القوات الموالية للحزب الاشتراكي وتلك التي كانت تدين بالولاء للرئيس علي عبدالله صالح.
واذا كانت الحرب قد جرت على مستوى القمة وكان بالإمكان تجاوز آثارها لو أحسن حكم الرئيس صالح الذي انتصر في تلك الحرب التصرف ولم يتم تسريح جيش الدولة التي كان الاشتراكي يحكمها، ولو انه حافظ على قيم المدنية التي كانت قائمة هناك ولم يعط لقادة الجيش وشيوخ القبائل وبعض النافذين حق تملك مساحات شاسعة من الأراضي في محافظتي عدن ولحج، إلا ان خطورة الاحتجاجات الأخيرة تكمن في انها ارتكزت على تحريض شعبي ضد كل مواطني المحافظات الشمالية من البلاد واعتبرت كل من ينحدر من هناك جزءا من السلطة التي تسببت في تلك الإجراءات.
ولا يخفي قادة الحزب الاشتراكي الذين يحاولون قيادة تلك الاحتجاجات مخاوفهم من حالة الاحتقان الشعبي في أوساط سكان محافظات الشرق والجنوب والتحريض على دولة الوحدة بل قيام ناشطين سياسيين بإدانته وتحميله مسؤولية الدخول في الوحدة بدون ضمانات بان لا تتحول تلك الدولة وسكانها إلى جهة جغرافية فقط.
وبما ان الطرفين الموقعين على اتفاقية إعلان دولة الوحدة في مايو 1990م لم يحددا شكل وماهية الدولة الوليدة واكتفيا بمشروع الدستور فان المطالبات تتجه اليوم نحو إعادة النقاش حول شكل الدولة، إلا ان حكم الرئيس صالح الذي استجاب لجزء واسع من مطالبات المتقاعدين ووعد بمعالجة مشكلة الأراضي يرفض مثل هذه الأطروحات ويرى انها غطاء لمشروع انفصالي مدعوم من أطراف خارجية ترى ان من مصلحتها عدم استقرار اليمن أو الثأر من مواقفه المتصلة باحتلال العراق لدولة الكويت.
وحيث ان المعارضة باتت ترى اليوم ان الدولة الفيدرالية هي المخرج الأكيد للحالة التي تعيشها البلاد لأنها ستمكن جميع سكان الدولة من المشاركة في إدارة شؤونهم، وتقترح إزالة آثار حرب صيف 1994م كمدخل لتلك المعالجة، فان الحكم يرى ان المسألة مرتبطة بأوضاع اقتصادية صعبة نتيجة لارتفاع أسعار السلع الغذائية وتفشي البطالة بحكم ان الناس في دولة الاشتراكي كانوا يعتمدون على الدولة في الحصول على المواد الغذائية والتعليم والوظائف.
ويعتقد الحزب الحاكم ان الحصول على مساعدات سخية من دول الخليج والولايات المتحدة وأوروبا سيؤدي إلى امتصاص هذه الاحتقانات، كما ان نجاح الحكومة في استقطاب رؤوس الأموال الخارجية للاستثمار والتوسع في الاستكشافات النفطية سيمكنها من مواجهة المتطلبات اليومية للسكان الذين ترتفع معدلاتهم السنوية بنحو مليون ونصف المليون نسمة.
صنعاء ـ محمد الغباري