شهيدٌ يتبعه شهيد، وجنازة تلحقها أخرى ومواكب التشييع بغزة ما توقفت عن المسير، عشرات الآباء يطبعون قبلة الوداع فوق جباه أبنائهم بصبر وإيمان راسخ والأمهات يُودعنّ فلذات الأكباد بالزغاريد. يتحدث بفخر «س.ر»، أحد المقاومين المرابطين على الثغور في مواجهة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة قائلا لموقع «فلسطين الآن» الالكتروني «غزة هي منبع الشهداء الرئيسي في العالم». يتابع: «في قلوبنا غصة على فراق الأحبة.. ونتألم لهذا الكم من الراحلين ولكن ما يربط على قلوبنا ويصبرّها أنهم هناك في جنات الخُلد ينعمون بما لا عين رأت ولا أذن سمعت...».
عبد الله، قبلّ يد والدته ليلة أمس وهرّول إلى الخارج ليذود بجسده عن مدينته.. أُمه حاولت أن ثنيه عن الرباط لهذه الليلة خوفا عليه من دوي الانفجارات الهائلة وطائرات الموت الحائمة في السماء، لكن دون جدوى. أمسك عبد الله بأنامل أمه وهمس بحنان: «لو بقيت نائما، وجاري فعل ذات الشيء، وصديقي تخاذل فسنجد الاحتلال يمشي في بيوتنا».. ثم أردف بثقة: «لو جئتك شهيدا.. فلا تحزني.. إنها جنان يا أم عبد الله».
أما «أبو رائد» فيتصل على ابنيه وهما على الثغور لا للاطمئنان عليهما بل لحثهم على المقاومة مؤكدا أن ابنه ورفاقه يهدون العالم دروسا في معنى الثبات «إن جنودهم تحتمي خلف أحدث الدبابات والطائرات.. في وقت يتقدم فيه أولادنا بصمود وقوة». بابتسامة جميلة أضاءت كامل وجهه سرد أحد المقاومين التابعين ل«كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس» وصيته قبل ذهابه لعملية فدائية.
وودعت أم الشهيد عمر أبو عكر نجلها بزغاريد الفرح كما تفعل الكثير من الأمهات وبفخرٍ قالت: «سيشفع لي ولوالده ولسبعين من أهله فأي شرف أريد أكثر من هذا.. أولادنا لا يموتون إنهم أحياء عند ربهم يُرزقون.. على أرواحهم نوزع الحلوى ونفتح الأعراس لا بيوتا للعزاء والقهوة السادة...».
النائب في المجلس التشريعي عن كتلة حركة «حماس» البرلمانية محمد شهاب قبل جبين ابنه البكر عبد الرحمن الذي قضى شهيدا وبلهجة الصمود قال للصحافيين: «انتقلنا من مرحلة الصبر إلى الرضا.. أولادنا نالوا ما تمنوا». ومع سيل الدموع وأنهار الدماء النازفة بشدة تبدو غزة صابرة تغلفها هالات من الصمود العجيب. وبـ «زغردي أم الشهيد و املأي الكون نشيدا» و«زفوا الشهيد.. الله الله» وبألحانٍ شجّية تُودع غزة أولادها.
غزة ـ «البيان»