لم تكن الطفلة صفاء رائد أبو سيف (11 عاماً) تعلم أن خروجها إلى فناء منزلها الكائن في منطقة زمو (شمال قطاع غزة) سيكلفها حياتها، وأن نظراتها التي كانت تراقب فيها تحركات قوات الاحتلال وانتشار القوات الخاصة الإسرائيلية في محيط منزلها ستكون الأخيرة.

خرجت صفاء دون أن تشعر بأنها ستكون هدفاً لرصاص القوات الإسرائيلية الخاصة المنتشرة في محيط منزلها والمتمركزة فوق أسطح المنازل القريبة فانطلقت مطمئنة وهي تشعر بأن جدران المنزل البسيطة ستحميها من الرصاص القاتل.

رصاصة من قناص إسرائيلي تجرد من مشاعر الإنسانية أنهت حياة صفاء بعد أن تربص بها من دون أن يراعي براءتها وجسدها الصغير الذي لا يقوى على مجابهة الرصاصة التي اخترقت الجهة اليسرى من صدرها وخرجت من ظهرها فأسقطتها أرضاً مدرجةً بمائها معلنةً قتل براءتها. محمود ابن عم الشهيدة كشف طبيعة الجريمة التي ارتكبها الاحتلال بحق صفاء، فأوضح أنها خرجت في فناء المنزل في الوقت الذي كانت فيه الدبابات الإسرائيلية تحاصر المنطقة المحيطة.

ويوضح أنها صرخت بعدما أصابتها الرصاصة في الصدر طالبة المساعدة من عائلتها «ولكن خطورة المنطقة وصعوبة الموقف منع أحد من الخروج لإسعافها». وبعد لحظة صمت وعيون تحبس الدموع صرخت عدة صرخات وبعدها صمتت ولم تتحدث بشيء، فشعرت أسرتها أنها أصيبت بحالة غيبوبة فحاول والدها الخروج لها لإدخالها إلى المنزل لكنه لم يستطع بعد أن شعر بوجود القوات الخاصة خلف المنزل. ولفت إلى حالة الدهشة والحزن التي انتابت الأسرة وهي تشاهد ابنتها تلفظ أنفاسها من دون أن تكون قادرة على فعل شيء لمساعدتها.

وعندما بدأت تلفظ أنفاسها خرجت جدتها دون أن تبالي برصاص القناصة والموت فاقتربت منها وسحبتها بقوة داخل المنزل وسط إطلاق نار عليها من القناصة ولكنها لفظت أنفاسها الأخيرة وفارقت الحياة. تمددت صفاء جثة هامدة في صالة منزلها، ووقفت عائلتها مذهولة من المشهد، فاستغاثت بسيارات الإسعاف لنقلها إلى المستشفى، ولكن تمركز آليات الاحتلال في المنطقة حاول دون وصولها.

ضابط الإسعاف خليل الصيداوي من مستشفى الشهيد كمال عدوان، والذي تلقى اتصالاً من عائلة الشهيد أبوسيف، أكد أنه توجه مسرعاً إلى المنطقة من دون أن يأبه بالخطر الذي يتهدده في المنطقة. حاول الصيداوي الدخول إلى منزل عائلة أبوسيف فاعترضنه إحدى الدبابات وأطلقت الرصاص عليه فأجبرته على العودة بعد أن اخترقت سيارة الإسعاف ومزقت إطاراتها لتبقى الشهيدة في داخل منزلها لتزيد من حزن وحرقة العائلة.

بقية من حياة

طفل لم يسعفه الجدار، بكى وانتحى مستشفى بيت لاهيا باحثا عن يده وحلمه بدمية تمسكها. وجهه في الأرض وكذلك وجه أمته، صرخته عالية، وكذلك خيبة أمه من أمته، ها هو لا يسعفه جدار ولا حكمة السلام ولا عبثية الانتحار. لا يسعفه سوى ما سيتراءى له من حياة بين شظايا الطائرات المغيرة.

غزة ـ ماهر إبراهيم