بدأت المنافسة الانتخابية الرئاسية في روسيا، والتي استعد المرشحون الأربعة لها جيدا حيث جمعت الأموال اللازمة، ووضعت اللمسات الأخيرة على برامجهم الانتخابية واختار كل فريق منهم بعناية مرشحه كما أعدت الخطابات الرنانة المملوءة بوعود من أجل المناظرات التلفزيونية. كل شيء يوحي بانطلاق صراع قوي سيشغل الروس حتى موعد الاستحقاق بعد شهر. غاب فقط مبدأ المنافسة فنتائج الانتخابات المقررة غداً، أعلنت قبل شهور. ولم يترك الروس مكانا لمفاجأة العالم بهوية سيد الكريملين الجديد الذي سيكون ديميتري ميدفيديف، حتى أن البعض لم يجد حرجا في الحديث بلغة الأرقام عن النسب التي سيحصل عليها بعد الفوز الأكيد. والمرشحون هم دميتري ميدفيديف الذي ولد في 14 سبتمبر 1965 في مدينة لينينغراد سانت بطرسبرغ حاليا. وأكمل دراسته في كلية الحقوق في جامعة لينينغراد في عام 1987، وحصل علي شهادة الدكتوراه في نفس الجامعة في العام 1990. وشغل ميدفيديف في عام 1999 منصب نائب رئيس جهاز حكومة روسيا الاتحادية. وعمل ميدفيديف في عامي 1999 و2000 نائبا لرئيس ديوان الرئاسة. ثم شغل منصب النائب الأول لرئيس الديوان منذ العام 2000. وترأس ميدفيديف مجلس مديري شركة غازبروم. وأصبح رئيسا لديوان الرئاسة الروسية في شهر أكتوبر 2003. وعين في شهر نوفمبر 2003 عضوا في مجلس الأمن الروسي وعين في نوفمبر 2005 في منصب النائب الأول لرئيس حكومة روسيا الاتحادية. متزوج وله ولد واحد. قرينته اسمها سفيتلانا. يرى أغلب المراقبين والمحللين السياسيين أن ميدفيديف سيواصل النهج الذي خطه الرئيس فلاديمير بوتين.
ويلي ميدفيديف المرشح غينادي زيوغانوف الذي تولى زعامة الحزب الشيوعي الذي فقد شعبيته وحظر لفترة من الوقت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وتحت قيادته أصبحت الكتلة الشيوعية أهم الكتل المعارضة للمؤسسة الحاكمة. ويفتقر زيوغانوف، مدرس الرياضيات السابق إلى العفوية والبلاغة، لكنه يبدو واثقا من نفسه تحت الأضواء، كما يفتقد أيضا غريزة الانقضاض على الغريم السياسي وخوض المعارك الضارية مع الحكومة حتى النهاية. ويبتعد برنامجه السياسي عن أفكار ستالين ولينينين ومن سبقوه من الزعماء الشيوعيين. ويقول: إن الحزب الشيوعي ليس حركة ثورية بل هو حزب برلماني يسعى للوصول إلى حل وسط بدلا من المصادمة ويدعو زيوغانوف إلى سوق منظمة تمتلك فيها الدولة النصيب الأوفر في بعض القطاعات الرئيسية مثل الطاقة والنقل والصناعات العسكرية.
المرشح الثالث هو رئيس الحزب «الليبرالي الديمقراطي» فلاديمير جيرينوفسكي الذي ولد في أبريل 1946 ويشغل منصب نائب رئيس مجلس «الدوما» وعضو اللجنة الأوروبية بالمجلس الأوربي، ودرس في قسم الدراسات التركية بمعهد دراسات آسيا وإفريقيا في جامعة موسكو تخرج في الجامعة عام 1969 وأدى الخدمة العسكرية في1970. وحصل علي إجازة في القانون وحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة موسكو في 1980.
المرشح الأخير هو رئيس الحزب «الديمقراطي» الروسي أندري بوغدانوف من مواليد 1970 في مدينة سونتسافا ضواحي موسكو. و يخوض الانتخابات كمرشح مستقل يترأس حزبا مسجلا بشكل رسمي وهو الحزب «الديمقراطي» إلا أن ترشيحه جاء فرديا لأن حزبه غير ممثل في مجلس «الدوما» الروسي. ويمثل مرشحو الرئاسة زيوغانوف، وجيرينوفسكي، وبوغدانوف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي في روسيا من الشيوعي الذي يصر على أن ثلث الروس يؤيد أفكاره، إلى اليميني أندريه بوغدانوف، وصولا إلى جيرينوفسكي السياسي القومي المتطرف الذي يضيف نكهة خاصة على أية انتخابات يشارك فيها باعتباره المهرج السياسي المعروف لروسيا كما يصفه البعض.
مبدأ المنافسة غائب، ليس لأن النتائج معروفة مسبقا فحسب، بل لأسباب كثيرة أخرى، أقلها التفاوت الشاسع في حجم الموازنات التي جمعها كل مرشح لتمويل معركته. وتتراوح بين أقل من خمسة ملايين روبل حوالي 200 ألف دولار وفرها بوغدانوف، وبين أكثر من 66 مليونا جمعها ميدفيديف بسهولة.
وفي مقابل انشغال الطبقة السياسية بالدعاية الانتخابية، أظهرت استطلاعات أن المواطنين الروس لا يبدون كثيرا من المبالاة للحملة الجارية. وتشغل رؤوسهم هموم ارتفاع الأسعار وزيادة معدلات التضخم وغيرها من المسائل التي لم تتوقف البرامج الانتخابية كثيراً عندها.
في غضون ذلك، اعتبر معارضون أن مبدأ التنافس لم يعد له وجود في المعركة الانتخابية بعدما سخرت كل الطاقات لتعزيز مواقع مرشح الكريملين القوية أصلاً بسبب الدعم المباشر من الرئيس فلاديمير بوتين له.
و يعتقد المراقبون السياسيون أن التنافس الأساسي في انتخابات الرئاسة الروسية سينحصر أساسا بين مرشح الكرملين ديمتري ميدفيديف الذي يدعمه حزب «روسيا الموحدة» ذو الأغلبية البرلمانية وغينادي زيوغانوف مرشح الحزب «الشيوعي» الروسي والذي يخوض المعركة الانتخابية للمرة السادسة علي التوالي.
ودل استطلاع حديث للرأي أجراه مركز دراسات الرأي العام في روسيا إلى أن ميدفيديف سيحصل على أكثر من 60 في المئة من أصوات الروس، متقدما على المرشحين الثلاثة الآخرين بأكثر من 50 نقطة، ما يعني حسم مسألة فوزه في الانتخابات من الجولة الأولى.
ومعلوم أن الأرقام التي يعلنها هذا المركز غالبا ما تكون قريبة إلى النتائج بعد عمليات الفرز.
إعداد: د. معمر الفار



