امرأة مسنة من دارفور وقفت أمام أطلال منزلها المتفحم. وربتت على كتفي وهي تمسك في يدها الأخرى بحفنة حبوب. وقالت متوسلة «كيف يفترض أن أتناول هذا الطعام» شعرت بالعجز المطلق وعدم القدرة على الكلام لا اعرف كيف يمكنني مساعدتها. والآن وجهها يطاردني في الكوابيس التي تنتابني.

وصادف يوم الثلاثاء مرور خمس سنوات على اندلاع الحرب في دارفور وما أعقب ذلك من رد سوداني مضاد يقول خبراء أجانب انه تسبب في مقتل 200 ألف شخص ونزوح 5,2 مليون من ديارهم. إنني اكتب عن دارفور منذ أربع سنوات ونصف السنة.

وأتساءل الآن أكثر من أي وقت مضى عن الفرق الذي يمكن أن تصنعه تغطيتي للأحداث. رغم أكبر عملية مساعدات في العالم واهتمام وسائل الإعلام العالمية مازال هناك أناس يموتون ولم يتم نشر قوات حفظ السلام الأجنبية والمرأة التي أشاهدها في كوابيسي لا يمكنها أن تأكل. وأصبحت المخيمات التي تضم قرويين نزحوا من ديارهم مناطق ضخمة شبه دائمة تسودها الفوضى في بلدات رئيسية حيث يمكن أن تنفجر التوترات في أي لحظة.

ويسعى أهل دارفور للعودة إلى مزارعهم لكنهم يخشون من أفراد الميليشيات الذين يستقلون الجياد أو الجمال. وصراع دارفور وهو أبعد ما يكون عن الاقتراب من حل يزداد تعقيدا فيما يبدو. وتشابكت الحرب مع حرب أخرى في تشاد المجاورة.

وانقسمت فصائل المتمردين إلى جماعات لا يمكن الاعتراف بها وانقلبت القبائل العربية على الحكومة التي حشدتها. وتقتحم الجماعات المسلحة البلدات في عربات لا تحمل علامات وعلى متنها أسلحة ثقيلة. وينتشر المقاتلون في أطراف الطرق. ولم يعد أحد يعرف من هو هذا الشخص الآخر. القانون الوحيد ينطلق من البندقية.

وليس السبب في ذلك عدم اهتمام العالم. إذ يأتي مبعوث بعد الآخر لزيارة الإقليم كما يأتي نجوم من هوليوود. ويمكن أن يبدو الأمر على أنه مثير للضحك عندما أحاول أن اشرح للمقاتلين أو القرويين النازحين من كان آخر نجم سوبر يجب أن أضعه في قائمة الذين زاروا المنطقة لفترة قصيرة. ورغم أن القتال ليس شديدا مثلما كان في السابق فان الصراع دمر طريقة حياة. كل فرد له رواية عن جريمة أو غياب القانون في أرض كان الزوار يشعرون فيها بالأمان رغم الفقر.

وانهار سائق سيارة أجرة باكيا وهو يرفع قبعته ليظهر لي آثار جروح ناجمة عن هجوم. وأحد مصادر اخباري بالحكومة قتل برصاص لص يستقل سيارة داخل مجمع الوزارة في الفاشر وهي البلدة الرئيسية في دارفور. وشاهدت الميليشيا التي تعرف باسم الجنجويد وجها لوجه أثناء تسجيل لقطات للدمار بعد قصف حكومي. وعندما شهر رجل يمتطي جوادا سلاحه تصرفت مثل سكان دارفور في هذه المواقف وسرت في خطوط متعرجة مذعورة إلى أحد الأكواخ المهجورة.

وأمكننا سماع دوي الرصاص ونحن قابعون وقد صعقنا الخوف بالداخل. وتحدثت همسا في التليفون الذي يعمل بالقمر الصناعي لأطلب مساعدة من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي. ولحسن الحظ جاؤوا وعانيت لمدة نصف ساعة فقط من الرعب الذي يتحمله شعب دارفور يوميا. ويأمل سكان دارفور في أن يصبح من الممكن نشر قوات حفظ سلام أكبر تمولها الأمم المتحدة في أنحاء الإقليم لجلب قدر من السلام الذي يحلمون به منذ سنوات.

ويقول قادة القوات الإفريقية إنهم مستعدون لبدء التحرك إذا أمكن للمجتمع الدولي إرسال معدات وتعزيزات يحتاجون إليها. لكن المؤشرات ليست جميعها تبشر بالخير وتأخر نشر القوات بسبب الخلافات بشأن تشكيل القوة. وفي نفس الوقت اشتد القتال في غرب دارفور فيما تحاول الحكومة طرد المتمردين من معاقلهم. وبدأت الآمال في نشر هذه القوة تتبدد مرة أخرى لتحل محلها شكوك بشأن هل ستكون هناك أي نهاية لهذه الكوابيس.