دخلت إيران العام 2008 وفي جعبتها مجموعة عقوبات فرضها عليها مجلس الأمن الدولي في أواخر 2007 لعدم انصياعها لمتطلباته بوقف أنشطة تخصيب اليورانيوم. ومع نهاية الشهر الجاري يرتقب ان تتضاعف هذه العقوبات سواء تلك التي يفرضها مجلس الأمن أو الدول الكبرى في وقت لم تفصل وكالة الطاقة الدولية كليا في هذا الملف باعتبار ان تقريرها الأخير لم يدن ولم يبرأ طهران.

وتراوحت المواقف الإيرانية بين المرونة والتشدد من دون ان تصل ابدا إلى نقطة اللاعودة رغم التصريحات النارية للرئيس محمود أحمدي نجاد والتي وصفها البعض بانها تمثل سياسة حافة الهاوية.

وفي الحقيقة، كما الجانب الإيراني، حرص الطرف الرئيسي الثاني في لعبة شد الحبل النووية وهو الولايات المتحدة بدوره على عدم الوصول إلى نقطة اللاعودة رغم انها لوحت كثيرا باستخدام الخيار العسكري. فلا إيران انسحبت من معاهدة حظر الانتشار النووي، وهو ما هددت به كثيرا، ولا الولايات المتحدة شنت ضدها عملا عسكريا.

ويتفق محللون على ان استراتيجية إيران التفاوضية هي استثمار المفاوضات الدولية لكسب الوقت وتحصيل أكبر قدر من المكاسب التقنية، على خلفية التناقض في مصالح الأقطاب الدولية وبذلك بدا ان الاجماع الدولي على وضع قيود على تطور إيران النووي تبلور في صورة قرارات عكست روحا جديدة في الاسرة الدولية حيال ما استشعرته تلك المجموعة الدولية من ان البرنامج الذي يوصف عادة بانه«مثير للجدل» ماض في طريقه كقطار «بلا كوابح» .

كما وصفه مرة الرئيس الإيراني احمدي نجاد ما عزز مراوحة الأزمة النووية لإيران مكانها ان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي الهيئة الدولية المنوط بها الإشراف والرقابة على استخدامات الدول للطاقة النووية، لم تحسم الامر بشأن طبيعة البرنامج النووي لإيران وبدا الامر هنا شبيها إلى حد بعيد بعملية التفاوض فكلاهما رغم تحقيق بعض التقدم خلال 2007 لم يصلا إلى حسم ما بعد تقرير البرادعي أول أمس.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى ولا الأخيرة التي يردد فيها مسؤول الوكالة الاول مثل هذه التصريحات التي لا تدين ولا تبرئ إيران فقد عاد البرادعي في 16 من نوفمبر العام الماضي ليشير إلى وجود تقدم لكنه وصفه بأنه غير كاف.

وقد مثلت تلك التصريحات من جهة ثانية لحظات الفشل التي منيت بها جولات طويلة وماراثونية من المفاوضات بين إيران من جهة وكل من الوكالة الدولية للطاقة الذرية ورئيسها محمد البرادعي والاتحاد الاوروبي ممثلا بخافيير سولانا المنسق الاعلى للسياسة الخارجية بخلاف المفاوضات مع الروس حول المقترحات الروسية بتخصيب اليورانيوم الإيراني على اراضيها.

وامتلكت إيران عند بدء المفاوضات مع الترويكا الأوروبية 164 جهازاً للطرد المركزي، وعند نهاية 2004 كان لدى إيران 500 جهاز تعمل بأقصى طاقتها، وفي العام 2007 تشغّل إيران ثلاثة آلاف جهاز بأقصى طاقتها، وهذا ما تحاول إيران الوصول اليه قبول الدول الكبرى بالامر الواقع كونها قوة نووية.

لم يشهد عام 2007 مفاجآت أو منعطفات هامة في مسار أزمة البرنامج النووي الإيراني المعقدة، حيث راوحت الأزمة مكانها وواصلت كل الأطراف السعي نفسه الذي بدأته من قبل.

وإن كانت الأزمة النووية لم تشهد مفاجآت من العيار الثقيل الا انه لم تكد شمس 2007 تميل إلى الغروب والا وكشفت الاستخبارات الأميركية عن مفاجأة كان لها وقعها حيث اكدت عن ثقة ان إيران اوقفت برنامجها النووي العسكري عام 2003 ولم تعد اليه منذ ذلك الحين.

وهو التقرير الذي رأى فيه طرفا الأزمة كل ما يهوى، ففي الوقت الذي تعلقت به إيران كشهادة براءة لم تغير الإدارة الأميركية موقفها حيث رأت فيه واشنطن دليلا على ان إيران كانت تدير برنامجا لتصنيع الاسلحة الذرية في السر وبذلك كذب التقرير دعاوى طهران بسلمية برنامجها.

ويرى المتتبعون لهذه الأزمة ان الإدارة الأميركية لم تغير موقفها، وعلى الأرجح لن تغيره حتى لو تأكد لها تماما ان إيران أوقفت فعلا برنامجها النووي العسكري، لان القضية لم تعد فيما اذا كانت إيران تستهدف من برنامجها النووي وانما توجهاتها في المنطقة.