تعاني اغلب المواقع الأثرية في محافظة ميسان جنوبي العراق، من سرقة منظمة وسلب مستمر في العديد من شواخصها الحضارية وتراثها العريق.. وزيارة واحدة إلى مواقع ميسان الأثرية تعطي دليلاً على مقدار الإهمال والتخريب الذي طالها.
ولمنطقة الهفة الأثرية بالذات، التي تعود إلى بدايات الحقبة السومرية، قصة حزينة، حيث أخذت الجرافات التي تحمل الأتربة والأحجار للأغراض الإنشائية، تحمل معها الأحجار والأواني ولقى آثارية مهمة، تتمثل بالأختام الاسطوانية والمسكوكات الذهبية والفضية والنحاسية والتماثيل والأواني بمختلف الأشكال والألوان، وغيرها من المواد التي تحكي تاريخاً عظيماً. وتستمر مسيرة الدمار لتكتمل بعد سقوط بغداد في التاسع من إبريل 2003 حيث ظلت المواقع الأثرية عرضة لأعمال السرقة لأنها بلا حراسة. ومن يزور الهفة لا يجد من يسأل أو يحاسب، والحال نفسه مع بقية المواقع الأثرية الأخرى، وسط ظروف أمنية شجعت البعض على عمليات السرقة ونبش الآثار، بغية تهريبها إلى خارج العراق وحرمانه من هذه الكنوز الآثارية المهمة التي توثق عمق الحضارة ورسوخها.
وقال المواطن امجد حسن البهادلي، آثاري متقاعد ومزارع من سكنة المنطقة: «إن عصابات للسرقة، وبتشجيع من جهات إقليمية، تقوم بالسطو على آثار ميسان والمواقع الآثارية، التي تمتد على رقعة واسعة من شرق المحافظة. وأضاف: «مناطق تل الواجف، وعزيزة، وأم الديري، وشلال، التي تضم بين طياتها آلاف القطع التراثية، والتي يعود تاريخها إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، تعرضت للنهب والنبش من قبل عناصر لاتهمها حضارة ميسان وتراثها، وآثار الحضارة العراقية العريقة، ليسرقوا ما استطاعوا من ارث الأجداد العظام بهدف طمس حضارتنا وهويتنا«. وأوضح أنه «يوجد مكان بين تل الواجف وعزيزة وهو عبارة عن نهر جاف للبزل.. هذا النهر الجاف يضم رفات ملوك (أكد) داخل التوابيت الفخارية المزخرفة بأنواع الزخرفات الملونة والمزججة بالوارنيش، حيث كان ذلك المكان في السنوات التي سبقت سقوط النظام السابق محاطا بحراسات مشددة، إلا انه الآن أصبح متروكا».
وناشد البهادلي الدوائر المعنية قائلا «إلى متى هذا الإهمال وهذه الجريمة المستمرة بحق آثارنا من دون ان نجد من يحاول، بحرقة قلب عراقية،ان يوقف هذه المؤامرة، حيث ان أكثر من 380 موقعا آثاريا في مدن ميسان، لم ينقب فيها حتى الآن،وتعود إلى عصور تاريخية مختلفة، وان من بينها موقع أبو صخيرات الذي يقع في منطقة الطيب عند الحدود الإيرانية(75 كم شرق مدينة العمارة)، والذي يعود إلى العصر البابلي القديم.
وكذلك موقع المذار في منطقة عبدالله بن علي قرب ناحية العزير التي تبعد 70 كيلومتراً عن مركز مدينة العمارة، وموقع السور الذي يقع في منطقة الطيب، وتبلغ مساحته 1000 دونم، ويحيط به سور دائري، وهو يضم بعض التماثيل، ويعتقد انه يعود إلى العصر المقدوني».
وأشار إلى:« أن هناك 6 مواقع كبيرة في منطقة كميت(20 كم شمال مدينة العمارة) تعود إلى العصور الساسانية والإسلامية والعباسية، ولاتزال ابنيتها شاخصة للعيان إلى يومنا هذا، فضلا عن وجود مدينة ام عبيدة الآثارية التي تقع في منطقة سيد أحمد الرفاعي».
وقال الباحث محسن العقبي: «ان الدلائل والبراهين التاريخية تشير إلى ان ميسان كانت دولة تاريخية حكمها 23 ملكا، وسكنتها أقوام آرامية وعربية، وتعاملت باللغة الآرامية، فضلا عن وجود المسكوكات التي كتبت عليها عبارات باللغة العربية، تضم أسماء الملوك الذين حكموا آنذاك، وكان بعضها محفوظا في قاعات عرض متحف ميسان، ولكنها تعرضت لعمليات السلب والنهب في أحداث العام 1991 ».
وقال مصدر مسؤول في دائرة آثار ميسان إن «جميع الآثار، وهي كنوز لها قيمة علمية تاريخية لا تقدر بثمن، تعرضت إلى نهب وسطو من قبل سرّاق الآثار، الذين قاموا بسرقة أكثر من 15000 قطعة اثارية تمثل حضارة بلاد وادي الرافدين منذ عصور ما قبل التاريخ إلى العصور الإسلامية المتأخرة»، مضيفاً أنه «تمت استعادة 4000 قطعة آثارية، وهناك الآلاف من القطع معروضة بصورة علنية في كبريات متاحف فرنسا وأميركا، وكذلك في متاحف دول عربية».
ويذكر ان مفارز شرطة ميسان كانت ألقت القبض خلال الأسابيع الماضية على العديد من عصابات التهريب، وضبطت الكثير من القطع الاثارية التي تركها المهربون بعد ان داهمتهم قوات الشرطة، وتضم تماثيل وأواني ومسكوكات فضية وجرارا وغيرها.


