في ظل فوضى اقتصادية، وأينما تذهب في بغداد تجد أرصفة الطرقات وقد تحولت أسواقاً شعبية رغم الجدران الإسمنتية التي زرعت من حولها، من قبل باعة بينهم عدد كبير من حملة الشهادات العليا الذين لم ينجحوا في الحصول على وظائف حكومية.

وهؤلاء الأساتذة والفنانون والعسكريون كانوا ينجحون في كسب لقمة العيش من خلال وظائفهم في فترة ما قبل الغزو، لكنهم في عراق اليوم يبذلون جهوداً شاقة ولا يحصدون إلا قليلاً. ولم يعد يصدق كثير من العراقيين وعود الحكومة بالنهوض بالاقتصاد مع أن ميزانية الدولة بلغت خلال السنة الجارية 48 مليار دولار، أي ضعف ما كانت عليه قبل انهيار نظام صدام حسين في ابريل 2003.

تخرج أسعد محمد (36 عاماً) من كلية التربية قبل أكثر من عشرة أعوام وعمل مدرساً للجغرافيا خمس سنوات. وفي 2003 أغلق المعهد الذي كان يعمل فيه فتحول إلى بائع ألعاب في بغداد. قال أسعد وهو يقف وراء طاولته لبيع الألعاب «بعد 2003، حاولت مراراً الحصول على وظيفة في وزارة التربية، دون نتيجة».

وأوضح الرجل الذي كان يرتدي ملابس متواضعة ويضع قبعة صوفية على رأسه انه «قبل سقوط النظام كان الراتب الشهري لا يكفي لسد حاجة الأسرة ومواجهة مصاعب الحياة ومع ذلك لم ابحث عن وظيفة إضافية آنذاك». وكغيره من آلاف الموظفين والكوادر والعاملين في المهن الحرة، فقد الرجل عمله منذ الاجتياح الأميركي للعراق في مارس 2003.

ويعمل مهندس حاسوب في السابعة والعشرين من عمره في ورشة مساحتها اقل من ستة أمتار مربعة. وقد استأجرها لتصليح أجهزة الكمبيوتر في منطقة الباب الشرقي وسط بغداد.

ويقول إن «الظروف الاقتصادية قاسية جدا واعمل أكثر من ثماني ساعات يوميا لأضمن حياتي وأساعد أهلي».

وأضاف المهندس وهو يتوسط أجهزة مجزأة وأخرى تنتظر دورها للتصليح «لم احصل على وظيفة حكومية رغم محاولاتي المتكررة. أرغمت قبل أشهر على دفع مبلغ 500 دولار لشخص وعدني بتسهيل حصولي على وظيفة، من دون جدوى». ولا تملك البلاد إحصائيات دقيقة حول البطالة، بينما يشير المتوفر منها إلى أن نسبة العاطلين عن العمل بين 25 48%.

وأكد الرسام سعد زغير (34 عاما) خريج كلية الفنون الجميلة والذي يتنقل حاملا حقيبة وضع فيها فرش رسم وألوانا من مكان لآخر بحثاً عن عمل لإعالة أطفاله الأربعة وزوجته «ابحث عن عمل منذ أربع سنوات دون جدوى».

وأضاف زغير الذي غزا الشيب شعره ويتنقل بين المحال التجارية وسط بغداد بملابسه الملطخة بالألوان انه «مرغم على البطالة أو البحث عن المحسوبية أو الرشوة أو الانتساب لأحزاب سياسية أو البطالة»، مؤكداً انه «حال مئات المتخرجين». وأضاف «شعرت بألم شديد وصل إلى حد البكاء عندما فكرت يوما بالتطوع للشرطة على أمل الحصول على وظيفة».

وعلى رصيف شارع الجمهورية عند سوق الشورجة العريق في وسط بغداد، يقف ضابط سابق في الجيش مفضلا عدم كشف هويته ورتبته العسكرية وراء طاولة من الحلويات يراقب المارة بنظرات يائسة.

قال الرجل إن «الحديث عن العمل الحكومي من جديد أمر عقيم»، مؤكداً أن «الحياة علمتنا أن العمل شرف مهما اختلف نوعه وطبيعته».(رويترز)