بعد انتظار دام 11 عاماً اعتذرت استراليا رسمياً أمس، عن إساءة المعاملة والإذلال للسكان الأصليين خلال قرنين، ردد كيفين رود رئيس الوزراء الاسترالي كلمة«آسف» ثلاث مرات، مستهلاً حقبة جديدة في العلاقات العرقية، في حدث رمزي مشحون بالعواطف أبكى السكان الأصليين وسط هتافات المواطنين في شتى أنحاء البلاد.
وفي خطاب تاريخي ألقاه أمام البرلمان وبثته المحطات الوطنية مباشرة، طلب رئيس الوزراء الاسترالي الصفح من السكان الأوائل للبلاد، محترما بذلك واحدا من وعوده الرئيسية خلال الحملة الانتخابية.
وقال رود «نقدم اعتذارنا عن القوانين وسياسات البرلمانات والحكومات المتعاقبة التي ألحقت المعاناة وتسببت بخسائر فادحة لمواطنينا الاستراليين».
وأضاف رئيس الوزراء الاسترالي «نطلب الصفح عن الإساءة إلى الكرامة الإنسانية والإذلال الذي لحق بشعب يفتخر بنفسه وبثقافته». ومن« الأجيال وأحفادهم وعائلاتهم (...) ومن الأمهات والآباء، والإخوة والأخوات الذين انفصلوا عن عائلاتهم».
وردد رود في اعتذاره كلمة «آسف» ثلاث مرات للأجيال المسروقة معتذرا عن «الحزن والمعاناة والخسارة البالغة لمن تأثروا من جراء هذه السياسات».
وقدم رود الاعتذار البرلماني لأعضاء «الأجيال المسروقة» من السكان الأصليين الذين انتزعوا بالقوة من أسرهم ومجتمعاتهم في الصغر بموجب سياسات الاستيعاب السابقة.وقال رود ان «الظلم الذي وقع في الماضي يجب الا يتكرر ابدا ابدا»، مؤكدا ان اعتذاراته تشكل «جزءا من شفاء الأمة».
وأضاف «من اجل المستقبل، نتعهد ونقر ان هذه الصفحة الجديدة من تاريخ قارتنا الكبيرة يمكن الآن ان تكتب (...) نقوم اليوم بهذه الخطوة الأولى من خلال الاعتراف بالماضي والمضي نحو مستقبل يشمل جميع الاستراليين». وحضر الجلسة البرلمانية نحو 100 من شيوخهم وعدد من ممثلي الأجيال الضائعة، وقدم احد شيوخ السكان الأصليين عصا احتفالية لرئيس الحكومة معبرا عن «أمله بتوحيد الأمة عن طريق المصالحة».
وفي مشهد غير مسبوق احتشد أكثر من سبعة آلاف شخص في الحدائق المحيطة بمبنى البرلمان الاسترالي لمتابعة الاعتذار الرسمي الذي بث على شاشات عملاقة وأخذ وتعانق وبكى الآلاف من السكان الأصليين وأخذوا يصفقون بينما دخلت البلاد متحدة إلى حقبة جديدة في العلاقات بين الأعراق.
كما وقف الملايين في ميادين كانبيرا وحدائقها ومدارسها ومكاتبها يتابعون اعتذار رئيس وزرائهم عن الظلم الذي ارتكب بحق سكان استراليا الأصليين بسبب سياسات انتزع بمقتضاها وفي تلخيص لموقف السكان الأصليين، قال مارك بن باكار شيخ الأجيال المسروقة لرويترز«هذا يجعل المجتمع الأصلي يشعر ولأول مرة منذ زمن طويل انه بحق جزء من استراليا وان الأمة الاسترالية كلها تحتضنه.».
بدوره قال داريل تاوني لوكالة الأنباء الفرنسية«انها اللحظة الأكثر عمقا لمجموعتنا التي أشهده «معتبرا ان الأمر بالنسبة لنا اشبه بسقوط جدار برلين».
وتابع «مع ان الاعتذار جاء متأخرا مئتي عام لكنه يعني الكثير للسكان الأصليين».
وقالت ليندا بيرني وهي من السكان الأصليين وعضو في مجلس ولاية سيدني وهي تتابع وقائع الاعتذار «قلبي يرتجف».
وقالت جوليا بين، وهي من ملبورن، بعد متابعة اعتذار رود على الهواء على شاشة عملاقة في وسط المدينة «أعتقد ان بلادنا كانت في حاجة لأن يحدث هذا حتى نبدأ بداية جديدة».
ورفعت إعلام السكان الأصليين على المباني المهمة بما في ذلك جسر ميناء سيدني الشهير كما حملها آلاف وهم يهللون مع بدء كلمة الاعتذار لرود. وحرص كثيرون على التوافد منذ الفجر ليجدوا لأنفسهم موقعا جيدا لمتابعة الحدث التاريخي الرمزي.
وجاء الاعتذار في جلسة افتتحها الحاكم العام الميجور جنرال مايكل جيفري الذي يمثل الملكة اليزابيث ملكة بريطانيا تماشيا مع الدستور الاسترالي الجلسة البرلمانية رقم 42 بكلمة أوضح فيها جدول أعمال رود خلال الأعوام الثلاثة المقبلة.
وقال جيفري ان حكومة رود ستعمل على إنهاء الأوضاع السيئة التي يعاني منها السكان الأصليون والمساعدة في رأب صدع الانقسامات العرقية في البلاد.
وكانت استراليا حصلت على استقلالها عن بريطانيا عام 1901 ولكنها احتفظت بالتقاليد البرلمانية البريطانية التي تعود إلى مئات السنين.
