يعتبر جورج حبش أو الحكيم أحد أهم الشخصيات الفلسطينية التي لعبت دوراً بارزاً في مسار التحولات التي مرت بها قضية الصراع العربي الإسرائيلي من خلال موقعه الريادي، إن كان في حركة القوميين العرب، أو عند تأسيسه للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وإذا كان رحيل الحكيم يترك فراغاً كبيراً في الساحة الفلسطينية فإن الخسارة الأكبر ستكون على الجبهة الشعبية التي تعرضت لضربتين كبيرتين في الأعوام الماضية، تمثلت الأولى باغتيال أمينها العام أبوعلي مصطفى، والثانية باعتقال خليفته أحمد سعدات من قبل قوات الاحتلال.
تختصر قصة حياة جورج حبش حكاية نكبة فلسطين، إذ كان في العشرين من عمره في العام 1948، يوم اضطر لقطع دراسة الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، واتجه للعمل في مستوصف اللد قبل أن تسقط المدينة وتستشهد أخته الكبرى ويقتلع الشعب الفلسطيني بأكمله من أرضه.
تركت تلك الأحداث بالغ الأثر في وجدان الشاب حبش الذي عاد لمتابعة الدراسة، ولكن هذه المرة مع الانخراط في العمل السياسي، حيث التقى في بيروت بالمفكر القومي العربي الراحل قسطنطين زريق الذي فتح أعين الحكيم على أهمية العمل القومي، ولم تمض سنوات قليلة حتى قام حبش مع مجموعة من أصدقائه بتأسيس حركة القوميين العرب.
بعد عقود على هذه التجربة، وفي إعادة تقييمه لها يرى الحكيم أنه «كان من المستحيل تحقيق الأهداف التي كانت مطروحة وفي مقدمتها الوحدة بالشكل الذي كان معروضاً آنذاك» وأن أهم درس من فشل تلك التجربة هو «التأكيد على أهمية الديمقراطية كوسيلة لا يمكن تحقيق الأهداف الكبرى بدونها».
كان جورج حبش الأمين العام الأول بين قادة الفصائل الفلسطينية الذي تمثّل القيم التي دعا إليها، إذ أعلن في العام 2000 استقالته من كافة المناصب التي كان يشغلها في الجبهة، ممهداً الطريق للقيادات الأخرى للارتقاء إلى قيادة التنظيم.
كان الحكيم أسس الشعبية بعد بضعة أشهر على هزيمة يونيو 1967، واعتمد التنظيم الذي قام على أسس ماركسية ثوابت لا يمكن الحياد عنها وفي مقدمتها تحرير فلسطين كلها دون التنازل عن حبة تراب واحدة.
ومارست الجبهة منذ مرحلة مبكرة كل أنواع المقاومة للفت أنظار العالم إلى قضية فلسطين، ونجحت في ذلك عبر اختطاف الطائرات الذي أعتبر يومها الشرارة التي فجرت القتال مع الجيش الأردني وإخراج الفصائل الفلسطينية من الأردن.
أما في لبنان حيث إنتقلت المقاومة وكان لها تجربة لا تقل دموية عما حدث في الأردن فيلقي الحكيم اللوم على الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وينتقد نزعة السيطرة لديه بالقول بأنه «كان من المفترض إعطاء القيادة للحركة الوطنية اللبنانية».
وينسحب انتقاده لزعيم فتح على مضيه في خيار أوسلو حيث يرى أن «هذا الخيار بقدر ما بدد انجازات مرحلة الكفاح المسلح، فإن بدد أيضا إنجازات الانتفاضة في الوطن المحتل». وتعكس رؤيته للصراع حجم التناقض بينه وبين الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، إذ بقدر ما ركز هذا الأخير على الحفاظ على استقلالية الورقة الفلسطينية بقدر ما طالب حبش بإعادتها إلى حضنها العربي.
أنشاً حبش بعد استقالته من منصبه في العام 2000 «مركز الغد للدراسات» وأعلن في أكثر من مناسبة أنه يسعى عبره إلى مراجعة التجربة النضالية الفلسطينية، عله يستطيع تصويب الطريق للأجيال اللاحقة عبر الإجابة على سؤال «لماذا هزمنا؟».
وربما كانت أولى نتائج المراجعات هو اعتراف الحكيم ولو متأخراً بضرورة اعتماد المرحلية التي أقرها المجلس الوطني الفلسطيني في العام 1974 خياراً، وضرورة نقل مركز الصراع إلى الداخل الفلسطيني، وربما كان آخرها هو ما دفع الجبهة الشعبية إلى مقاطعة مؤتمر المعارضة الفلسطينية الذي انعقد قبل أيام لإدراكه عدم جدوى هذه المؤتمرات التي اختبرها التنظيم جيداً على امتداد العقود الماضية.
تقرير: فراس الكيلاني