بعد أن احتل بيل غيتس صدارة المشهد الإعلامي في دافوس في ثاني أيام المنتدى، بدعوته إلى نوع جديد من الرأسمالية أكثر إنسانية واهتماما بأحوال الفقراء، منافسا في ذلك الرئيس الباكستاني برويز مشرف الذي احتلت صوره وتصريحاته ووعوده بانتخابات نزيهة شاشات التلفزيون، جاء الدور على العرب ممثلين في عقيلة العاهل الأردني الملكة رانيا، لتخطف الأضواء في ثالث أيام دافوس عندما شاركت في ندوة حول مسؤولية الشركات الكبرى تجاه خلق نوع جديد من المواطن الكوني.

ولعل غياب قضايا سياسية متفجرة، وهيمنة النقاش حول تباطؤ الاقتصاد الأميركي بالنسبة للمتفائلين وركوده بالنسبة للمتشائمين، أفسح المجال أمام القضايا الاقتصادية والبيئية لتطغى على المشهد الإعلامي في دافوس، في ظاهرة لم تتكرر منذ سنوات. وحتى ظهور الأمين العام الجديد للأمم المتحدة بان كي مون، كرس للتحذير من أن العالم ينفذ من الماء، وأن أزمته تضرب خمس اسبانيا وثلث الولايات المتحدة وتسبب معاناة لم تتضح أبعادها بعد لدى العملاقين الجديدين الصين والهند، هذا دون نسيان مياه الأمازون وبحيرة تشاد وغيرهما والتي تتقلص مواردها بشكل متسارع. ودعا رئيس مجلس إدارة شركة مايكروسوفت بيل غيتس إلى «رأسمالية خلاقة» جديدة لمساعدة مليار شخص يعيشون بأقل من دولار يوميا ويمثلون أفقر سكان العالم.

وقال غيتس وهو من أغنى رجال العالم انه لا ينفض يديه من المعتقدات الأساسية للرأسمالية لكنه جادل بأن قوى السوق يجب أن تستخدم بصورة أفضل للتعامل مع احتياجات من لم يستفيدوا من التقدم في التكنولوجيا والرعاية الصحية. وأضاف أنه «يجب ان نجد سبيلاً لجعل سمات الرأسمالية التي تخدم أغنى الناس تخدم أفقر الناس أيضاً». وسمى فكرته بـ «الرأسمالية الخلاقة».

وشهد اليوم الثالث من أيام المنتدى استمرار الحديث كذلك حول القوى الجديدة الوافدة إلى المشهد العالمي، وتحديدا الدول الأربع التي بدأ مصطلح «بريك» الذي يرمز إلى الحرف الأول من اسم كل منها بالإنجليزية (البرازيل، روسيا، الهند، الصين) يتداول، مع المطالبة بتوسيع مجموعة الدول الثماني العظمى، وكذا تجدد الحديث عن توسيع مجلس الأمن.

ويرى البعض أن الصناديق الاستثمارية السيادية الآتية من أسواق ناشئة ودول نامية، والتي كانت طوق النجاة لمؤسسات مالية عتيدة في الدول المتقدمة صناعيا، هو الذي يعطي المشروعية للحديث عن نظام اقتصادي عالمي ما فتئ يتحول دون أن يعرف أحد على وجه الدقة متى ستستقر تحولاته.

نائب الرئيس الصيني، كان له نصيب وافر كذلك من اهتمام الحاضرين عندما استعرض عضلات بلاده التي تجاوز معدل نمو اقتصادها العام الماضي أكثر من ضعف معدل نمو الاقتصاد العالمي (5 في المئة للعالم، و 5,11 في المئة للصين) من دون أن يغفل تخوف العملاق الأصفر من كساد محتمل في الولايات المتحدة، ومن ارتفاع أسعار النفط والحبوب والمعادن، وازدياد النزعة الحمائية لدى العديد من الدول المتقدمة، وأخيرا التغير المناخي.

وبالعودة إلى النقاش الأبرز في منتدى العام الحالي، وهو النقاش حول ركود أو تباطؤ الاقتصاد الأميركي، انقسم المشاركون إلى متفائلين بأن أزمة الولايات المتحدة لن تعدو كونها تباطؤا في النمو ولن تمتد آثاره إلى باقي دول العالم وتحديدا آسيا، لأن مدته لن تطول أصلا، وبين متشائمين لم يعودوا يطرحون ما إذا كان هبوط الاقتصاد الأميركي سيكون ناعما أم حادا، بل يتساءلون ما إذا كانت حدته قليلة أم كثيرة.

معسكر المتفائلين ساق لتبرير تفاؤله أن معظم الشركات الأميركية هي في وضع صحي، وأن استثماراتها في الهند والصين تشكل لها مناعة من تباطؤ اقتصاد بلادها. ويقولون إن ما تعاني منه هذه الشركات هو نقص سيولة، سرعان ما ستجد فيه البنوك فرصة استثمارية وتهب لانتهازها، وبالتالي تنتهي الأزمة، مستبعدين أن يمتد أثرها إلى اقتصادات الصين والهند وغيرهما من الأسواق الناشئة التي توجد في مسار نمو تصاعدي يصعب وقفه.

في المقابل، يبرر معسكر المتشائمين علو وحدة نبرته المحذرة بأكثر من حجة أولها أن ما تواجهه الولايات المتحدة هو عاصفة نموذجية بكل مواصفات العاصفة، سمتها الأساسية ندرة السيولة وهرب البنوك فزعة من مواجهة الوضع (ماذا تريدون أسوأ من هذا؟). أما قولهم بأن أثر هذا الكساد سيتعدى حدود الولايات المتحدة، فلان اقتصاد هذا البلد يشكل ربع الاقتصاد العالمي، لدرجة سيكون صعبا على الهند والصين أن تتجنبا عدواه، وإن بحدة أقل.

المعسكران اتفقا على جملة من الوصايا لتجنب الأسوأ، رغم اختلافهما في التشخيص، وصايا قد تعصف بكل الدعوات المتفائلة لأغنى رجل في العالم بيل غيتس، وتبخر نداءاته لرأسمالية ذات وجه إنساني، حيث اتفق المشاركون على أن الأزمة هي فرصة للشركات الكبرى أن تبدأ بعمل الأشياء التي لم يكن بمقدورها أن تعملها سابقا، من سواء على مستوى موازناتها أو إعادة هيكلتها، وأن تبدأ بإغلاق مصانعها ووحداتها وفروعها ذات التكلفة العالية.

ثاني الوصايا الرأسمالية، هو أن تستمر هذه الشركات في محاربة منافسيها، ولم لا أن تحاول «ابتلاع أحدهم»؟. الوصية الثالثة هي أن ترفض هذه الشركات دعوات البنوك المتوقعة لجدولة قروضها طويلة المدى، وأن تراقب أعمالها بشكل دقيق وتتحرك بسرعة عندما تلوح أولى بوادر الضعف والدمار في جانب منها، كما تنصحها بأن تعيد النظر في التسعير المبالغ به للمنازل والأسهم وغيرها من الأصول، وتعترف بأنها أعلى كثيرا من سعرها الحقيقي.

وحتى يجهزون على ما تبقى من أمل في أي نوع من الاستجابة للرأسمالي ذي الوجه الإنساني، ينصح الرأسماليون الأقل إنسانية، وربما الأكثر واقعية، بالتعامل السلس مع حقيقة أن إعادة هيكلة هذه الشركات ستخلف فقدان آلاف العمال لوظائفهم، لأن (التأثير الذي ستخلفه البطالة هو من النوع الذي يصعب التكهن بشأنه).

وفي انتظار اختتام الأعمال الفعلية للمنتدى اليوم السبت يستمر الجدل حول وضع الاقتصاد العالمي، وتتوارى في خلفية المشهد الجلسات المخصصة للجوانب العلمية والفنية لعدم وجود من يهتم بها إعلاميا، وتستمر الاجتماعات الجانبية بين رجال الأعمال والسياسة، وتبادل البطاقات الشخصية بين مديري الشركات الحاضرة ويتحقق الرضا النفسي لكثير من المشاركين بالتصفيق لدعوات بيل غيتس لرأسمالية إنسانية، وأنشطة آل غور البيئية، وتحذيرات بون كي مون من سوء أوضاع البشرية لاسيما في العالم الثالث.

دافوس - هيثم شلبي