حذرت منظمات وهيئات مختصة في الجزائر من انفجار اجتماعي وشيك بعد موجة الغلاء التي عمت المواد واسعة الاستهلاك في الشهور الأخيرة. وارتفع سعر الدقيق بنسبة 30 في المئة وزيت المائدة بنسبة 100 في المئة وبودرة الحليب للكبار والأطفال بما قارب 100 في المئة.. وتوقفت مصانع انتاج الحليب عدة مرات العام 2007 بسبب عجزها مع ارتفاع سعر البودرة في السوق الدولية.

وأعلن رجل الأعمال الشهير يسعد ربراب صاحب أكبر مصانع الزيت في الجزائر أن استمرار الدولة في فرض الضرائب سيرفع السعر أكثر وعرض تثبيت الأسعار مقابل إلغاء الضريبة على القيمة المضافة. وصار معظم الجزائريين لا يقوون على ضمان الحد الأدنى من أسباب العيش ولم تعد أجرة الموظف وعمال قطاع الإنتاج والخدمات قادرة على مواجهة الارتفاع الجنوني للأسعار.

وعمدت حكومة عبد العزيز بلخادم إلى ما وصفه المختصون بـ (أسلوب المطافئ) حين أعلنت عن ضخ أموال من الخزينة العمومية لدعم ثلاث مواد أساسية هي الخبز والحليب والزيت وتسقيف أسعارها عند مستواها الحالي، لكن الأخصائيين يرون أن الحل لن يدوم لأن الأسعار سترتفع مجدد تحت وقع عوامل اقتصادية لا تتحكم فيها الدولة.

فمستوى التضخم ارتفع لأول مرة منذ خمس سنوات إلى أكثر من 4 في المئة. وكان الخبراء قد نبهوا إلى أن رفع الأجور سيسبب أزمة اقتصادية اجتماعية مركبة على اعتبار أن الاقتصاد الجزائري لا يزال هشا أمام التحولات التي طرأت عليه وبطء عملية تكيفه مع الوضع الجديد، لكن الحكومة قررت العام الماضي رفع الأجور بين 25 و 50 بالمئة ووصلت حد 100 بالمئة بالنسبة للمسؤولين والموظفين السامين في أجهزة الدولة.

وصاحب هذه «الإجراءات الارتجالية» استمرار ضعف القطاع الإنتاجي في مختلف فروعه ما أبقى البلاد رهينة للاستيراد في المواد الغذائية والأدوية والمواد الأولية التي تندرج ضمن مخطط إنعاش الصناعة والعمران. وأحدث هذا خللا كبيرا في مسار الإصلاحات الاقتصادية وتسببت في تأخر تحقيق مشاريع برنامج دعم النمو الذي خصصت له الدولة الجزائرية 150 مليار دولار على مدى خمس سنوات بين 2005 و2009.

وتكاد المدة تنقضي ولم تظهر بعد علامات نمو حاسمة تؤشر إلى بداية الخروج من الأزمة. ففضلا عن موجة الغلاء التي تفشت في المدة الأخيرة لا تزال عوامل توتر أخرى قائمة ومنها تأخر انجاز مشاريع السكن ونقص مياه الشرب بحيث تسير المياه حتى في عز الشتاء بنظام الحصص، بالإضافة إلى انتشار البطالة في أوساط مختلف الفئات الاجتماعية وفي المقدمة عشرات الآلاف بل مئات الآلاف من خريجي الجامعات في شتى التخصصات.

وأفادت آخر التقارير أن عددا كبيرا من المهندسين الساهرين على إنجاز الطريق السريع شرق ـ غرب غادروا إلى المغرب بعدما عرضت عليهم أجور تساوي أربع مرات أجورهم الحالية. كما غادر آلاف من الأطباء والمعماريين وأساتذة الجامعات وأحسن الباحثين والعاملين في تكنولوجيا الإعلام والاتصال إلى أوروبا والولايات المتحدة ودول الخليج وآسيا بحثا عن توفير رخاء بقدر مستواهم وعطائهم.

وكانت مجمل هذه الجوانب وأخرى يطول الخوض فيها قاعدة لدراسات أجرتها جهات مستقلة مختصة تفيد بأن الوضع الاجتماعي خطير جدا وقد اقترب من مستوى الاحتقان الذي بلغه قبل 20 عاماً حين احترقت كل مدن البلاد تحت وقع مظاهرات غضب صاخبة وأعمال عنف خلفت مئات القتلى في صفوف المدنيين برصاص قوى الأمن.

وهي المرة الأولى في تاريخ الجزائر التي استخدمت فيها الذخيرة الحية على نطاق واسع لمواجهة غضب السكان. وكانت تلك الحادثة التي دامت أياماً عدة بداية لتحولات كبيرة في أساليب النشاط السياسي في البلاد بإطلاق حرية العمل السياسي والإعلامي لكن مع الاحتفاظ بالنظام نفسه من حيث الهياكل والأشخاص وطرق معالجة المشكلات.

وفي ظل هذه الأجواء بدأ العام الجاري بإضرابات في قطاع عمال الميكانيك في مدينة الرويبة شرق العاصمة وهو المركب ذاته الذي أعطى إشارة انطلاق مواجهات العام 1988. كما قرر أساتذة التعليم الثانوي

والتقني شن إضراب تحذيري يومي السبت والأحد المقبلين على أن ينطلق بعدها إضراب عام مفتوح ما لم تستجب الحكومة للمطالب التي رفعها المجلس الوطني لأساتذة التعليم العالي. وتشهد قطاعات الصحة والتعليم العالي والحديد والصلب اضطرابات بسبب تردي أوضاع معيشة العمال تنبئ بعام في غاية الصعوبة

الجزائر ـ «البيان»