شهدت الأيام الأخيرة اتصالات مكثفة بين عدد من البلدان العربية وإيران ما فسره البعض بأنه سعي محموم لاستعادة العلاقات وبناء جسور الثقة وإعادة الدفء بين القيادات العربية والإيرانية وخاصة بعد حضور الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للقمة الخليجية ودعوته من قبل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لأداء فريضة الحج هذا العام وزيارة مسؤول القومي الإيراني علي لاريجاني إلى القاهرة بعد أيام قليلة من زيارة مسؤول في الخارجية المصرية طهران في أول زيارة من نوعها لمسؤول مصري إلى إيران منذ العام 1979 ما يبشر بوجود تقارب عربي إيراني وإن كان الكثيرون اختلفوا حول تفسير سر هذا التقارب المفاجئ وأهدافه والنتائج التي يمكن أن تترتب عليه.
أما الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية السفير حسام زكي فيقول إن هناك قائمة شروط تضعها مصر لاستعادة العلاقات بشكل رسمي «وهذا لا يعني أنه لم تكن هناك اتصالات بين البلدين خلال السنوات الماضية.
وكثير من هذه الاتصالات سواء الرسمية أو غير الرسمية كانت معلنة ومصر تتحرك في علاقاتها مع الدول من خلال مصالحها الوطنية وما تتطلبه أهداف المرحلة ووجود اتصالات مصرية إيرانية لا يعني بالمطلق أن العلاقات ستعود غدا فهذا أمر يستلزم دراسة متأنية وقوية ووجود شفافية في التعامل لإعادة العلاقات بينهما على أرض راسخة».
وعلى الجانب التحليلي، أكد رئيس قسم الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس وخبير الشؤون الإيرانية د. محمد سعيد عبدالمؤمن على أن سلسلة الأحداث الأخيرة وبخاصة حضور الرئيس الإيراني أحمدي نجاد لقمة الخليج للمرة الأولى في تاريخ القمة الخليجية ودعوة خادم الحرمين الشريفين له لأداء فريضة الحج، ثم زيارة مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الآسيوية.
وهو يعد أكبر مسؤول مصري رسمي يزور طهران منذ قطع العلاقات المصرية الإيرانية، ردا علي زيارة مساعد وزير الخارجية الإيراني إلى القاهرة وكذلك تصريحات نجاد الودية تجاه مصر وإعرابه عن استعداده لزيارتها إذا وجهت له دعوة رسمية، فضلاً عن تصريحات الأمين العام لجامعة الدول العربية تجاه إيران.
وأشار إلى أن محاولة استعادة العلاقات بين الطرفين العربي الإيراني ليست وليدة اليوم وبدأت باتصالات بين أساتذة الجامعات ثم حوار بين النخب في الطرفين وزيارة الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي إلى القاهرة وعدد من العواصم العربية في إطار الحوار بين الحضارات.
وكذلك زيارة عدد من المسؤولين الإيرانيين لعدد من الدول العربية في إطار الجهود الإيرانية الدؤوبة لاستعادة علاقاتها مع العالم العربي. وأضاف أن إيران لديها رغبة حالية في تحسين علاقاتها مع الدول العربية وذلك لإعادة الطمأنينة والهدوء.
وإزالة الشكوك العربية تجاه الطموحات الإيرانية في ما يتعلق بتحركاتها في العراق أو مشروعها النووي الأمر الذي أثار حفيظة الدول العربية والخليجية بصفة خاصة لاسيما في ظل احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى والسعي لمواجهة الجهود الأميركية لتوجيه جبهة ضد إيران ما دفع بالقيادة الإيرانية للتحرك بشكل واسع لإزالة التوتر والريبة من جانب الدول العربية ودعم الاستقرار في المنطقة.
وشرح أهداف إيران وتقديم ضمانات وتأكيدات على أن الملف النووي ليس موجها ضد العرب ولا يمثل إساءة أو تهديد لأي من الدول العربية ولذلك جاءت دعوة الرئيس الإيراني لحضور القمة الخليجية وأداء فريضة الحج هذا العام لإعطاء رسالة عربية لإيران بالتجاوب العربي مع التواصل الإيراني وإمكانية الوصول إلى أرضية مشتركة.
وبشأن إمكانية استفادة الدول العربية من السعي الإيراني للتقارب مع العرب قال عبد المؤمن: إيران تعرف جيدا ماذا تريد من هذه العلاقات وينبغي على العرب أيضا أن يعرفوا ماذا يريدون منها وأن يكون هناك سيناريوهات مسبقة لكيفية استغلال هذه العلاقات الاستغلال الأمثل.
مشيرا إلى أهمية السعي إلى تدعيم العلاقات الاقتصادية بين الطرفين لإيجاد مناخ من الثقة في التعامل بينهم وفتح الباب لحل أي مشاكل أو خلافات فضلا عن تبادل المعلومات وهو ما يجعل كل طرف منفتح علي الآخر مع التشديد على ضرورة وضع ضمانات لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة وإبراز الجانب الإيجابي للمشروعات الأمنية فيها.
ومن جانبه، أشار خبير الدراسات الإيرانية في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في «الأهرام» د. مدحت حماد على أنه بعد التقرير الأخير للمخابرات الأميركية والذي أكدت فيه توقف البرنامج النووي العسكري الإيراني منذ العام 1993 وظهرت هناك ضغوط داخلية علي الإدارة الأميركية لرفض خيار الحرب على إيران بعد أن كان هو الخيار الأكثر حظا وأسقط الحجة التي كانت تتذرع بها الولايات المتحدة لحصار ومعاقبة إيران.
وأضاف أن تقرير الاستخبارات الأميركية بشأن القدرات النووية الإيرانية وطموحها النووي العسكري جعل الإدارة الأميركية مضطرة لتغيير استراتيجيتها في المواجهة مع طهران واستبدال خيار الحرب بخيار الاحتواء من خلال دعامتين أساسيتين هما: فتح قناة اتصال سرية بين واشنطن وطهران، ودور إقليمي لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة للتعامل مع إيران واحتواء القيادة الإيرانية المتشددة.
وقال حمّاد إن طهران لم تشأ أن تفوت الفرصة فقامت علي الفور بهجمة دبلوماسية على الخليج والمنطقة العربية مع تطمينات إيرانية مختلفة ومن ثم فمن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تطورا فارقا في العلاقات العربية الإيرانية لأن العلاقات بين الجانبين وبصفة خاصة العلاقات المصرية الإيرانية كانت مرهونة إلى حد كبير بالعلاقات الإيرانية الأميركية لدرجة يمكننا القول إن قرار التطبيع بين القاهرة وطهران يصنع في واشنطن وليس في أي من عواصم البلدين، يرى أن الدول العربية الآن أصبحت مطلقة اليد ومؤهلة لأداء دور معين بالتنسيق مع واشنطن لاحتواء إيران.
وقال إن «إيران تشعر في الوقت الراهن أنها هي المطلوبة وليست الراغبة ولديها يقين وقناعة أن التغيير في الموقف العربي مرتبط بالتغيير في الموقف الأميركي ولا يستطيع أحد أن يتصور أن تقدم إيران على تقديم تنازلات جوهرية.
القاهرة ـ «البيان»: