مع حلول العام الجديد يكون اليمن، ومعه حكم الرئيس علي عبدالله صالح، حملا عبئاً إضافياً إلى جانب ما حمله العام المنصرم من أزمات سياسية واقتصادية تمثلت بالاحتجاجات السياسية التي لم يعرفها صالح منذ انتصاره على قوات الحزب الاشتراكي في حرب صيف 1994 وبات عليه الآن مواجهة أزمة اشد تتصل بالانتخابات النيابية التي ستجرى مطلع العام المقبل بعدما أعلنت المعارضة نيتها مقاطعتها وهددت برفع وتيرة الاحتجاجات الشعبية إذا لم تستجب السلطة لمطالبها.

وإذ يرى المراقبون أن حركة احتجاجات المتقاعدين العسكريين إبان العهد الاشتراكي مثلت أهم تحد أمام حكم علي صالح منذ إقصاء الحزب الاشتراكي من الشراكة في السلطة قبل 14 عاما فإن اتساع نطاق الاحتجاجات وارتفاع سقف مطالب المنضويين في إطارها قد اجبر الحكم والمعارضة كل إعادة ترتيب أولياتهما فإنها لامست جرحاً غائراً يمس تركة الدولة الاشتراكية التي كانت قائمة في الجزء الجنوبي من اليمن قبل إعادة توحيدها حيث فتحت ملفات الإبعاد القسري من الوظائف والاستيلاء على الأراضي والتمثيل السياسي لتلك المحافظات في السلطة وأعباء التحول الاقتصادي من الاقتصاد الموجه قبل وحدة البلاد إلى اقتصاد السوق.

ويعتقد المراقبون أن إقرار السلطات بأحقية تحد نحو 60 ألفا من منتسبي قطاعي الجيش والأمن في التسوية الوظيفية قبل الإحالة للتقاعد والإعادة إلى الخدمة الفعلية واعترافها بأخطاء ارتكبت في حقهم بدون أبعاد سياسية، إلى جانب حالة التضامن الشعبي مع مطالب سكان المحافظات التي كانت تشكل الدولة الاشتراكية.

وانضمام أعضاء المعارضة وقيادتها إلى صفوف المحتجين فتح شهية هؤلاء لتحقيق الانتصارات في المطالب المتصلة بإعادة ترتيب الدولة الجديدة وهي المطالب التي رفعها الحزب الاشتراكي أثناء مشاركته في الحكم وخلال الأزمة السياسية الخانقة التي عصفت في البلاد في 1993 وأدت إلى اعتكاف علي سالم البيض، نائب الرئيس حينها، في عدن قبل أن تسوء الأوضاع وتصل إلى الحرب.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي محمد شمس الدين أن ركون الحزب الحاكم إلى انتصاره في الحرب وضعف الحزب الاشتراكي بسبب مصادرة أمواله ومقراته وخروج معظم قادته إضافة إلى فشل الحزب الحاكم وحكوماته المتعاقبة في معالجة أوضاع السكان الذين ألفوا العيش في ظل التزام الدولة بكل متطلبات الحياة.

واتساع نطاق السيطرة على الأراضي التي كانت ملكا لتلك الدولة أو التي تم تأميمها عند بدء تطبيق التجربة الاشتراكية في بداية السبعينات كلها أمور زادت من شدة المعاناة وحالة الاحتقان الشعبي وضاعف من قوتها التردي الواضح في الوضع الاقتصادي واتساع رقعة الفساد وغياب سلطة القانون.

ويضيف أنه مع حلول الانتخابات الرئاسية في العام 2006 ودخول فيصل بن شملان منافساً لحكم صالح الذي ظل في السلطة نحو 30 عاما برزت أحزاب المعارضة المنضوية في إطار تكتل «اللقاء المشترك» كبديل موضوعي للحزب الحاكم من خلال قدرتها على حشد مئات الآلاف من المناصرين لها وعبر برنامجها الذي نص على مكافحة الفساد ومعالجة آثار حرب صيف 1994.

كما ساهمت الحملة الانتخابية القاسية التي عرفتها تلك الانتخابات في إحياء المطالب القديمة للحزب الاشتراكي بوضع أسس جديدة للدولة تختلف عن تلك الأسس التي وضعها الطرف المنتصر في الحرب.

وبما ان خسارة مرشح المعارضة تلك الانتخابات كانت متوقعة حتى من المرشح ذاته إلا أن الطريقة التي أديرت بها العملية الانتخابية وإعلان النتائج والتي كانت موضع نقد من المراقبين الدوليين جعلت من العملية مؤشرا لمطالب أطراف المعارضة من جهة إعادة ترتيب مضمون الدولة الحديثة المنشودة وإزالة الآثار التي ترتبت على الصراعات السياسية والحرب.

وإذا كان الرئيس اليمني استجاب لمطالب معارضيه في ما يخص تغيير طبيعة الحكم من رئاسي برلماني إلى رئاسي، وأبدى استعداده لإقامة حكم محلي واسع الصلاحيات فإن حالة انعدام الثقة القائمة بين الطرفين حالت دون الدخول في مناقشة تفاصيل تلك المبادرة.

وعزز هذه الحالة تفرد الحزب الحاكم بإحالة التعديلات المقترحة على قانون الانتخابات إلى البرلمان متجاهلا مطالب المعارضة المتصلة بآلية تشكيل اللجنة العليا للانتخابات ووضع ضمانات بحيادية الجيش والمال العام.

وطبقاً لهذا التصور فإن تواصل الاحتجاجات في مختلف المحافظات بعد أن امتدت من الشرق والجنوب إلى محافظات الوسط يقلل من أهمية حديث الحكم عن حوارات تتم مع قيادات اشتراكية في الخارج بغرض إقناعها بالعودة.

صنعاء ـ محمد الغباري