كمأساة إغريقية، اغتيلت بنازير بوتو ظهر يوم الخميس 27 ديسمبر، وسط حشود من أنصارها في مهرجان انتخابي بمدينة روالبندى مقر قيادة الجيش قرب العاصمة إسلام اباد. وهى المدينة إلى اعدم فيها والدها ذو الفقار علي بوتو رئيس الوزراء المدنى ومؤسس حزب الشعب عام 1979، على يد الجنرال ضياء الحق، الذي قضى بدوره في تحطم غامض لطائرة عسكرية بعد نحو ثمانى سنوات.
وانقلب العرس الديمقراطي إلى مأتم، وتحولت الهتافات إلى نحيب وبكاء. وبدلا من مهرجان التأييد حل الوداع الأخير لزعيمة حزب الشعب بعد ستين يوما من عودتها ونجاتها من محأولة اغتيال بتفجيرات انتحارية في كراتشي.
ومع بقاء اغتيال بنازير كلغز يبحث عن حل، وتناقض رواية الأمن مع روايات الشهود والمرافقين من قادة حزب الشعب، تتصاعد المخاوف المبللة بدموع تدمى قلوب الخصوم قبل الأنصار خوفا من خطر (الافغنة) الذي يتربص بالبلد، ويهدد وحدتها واستقرارها،
ويحصرها بين خندق أنصار حركة طالبان وتنظيم القاعدة من جهة، وحافة الفوضى والتمزق بين المتصارعين من أعراق الباشتون على الحدود الغربية مع أفغانستان، من الجهة المفابلة، في تكرار لمشهد انفصال بنغلاديش عام 1971 بعد حرب خاسرة مع الهند ابان حكم ذو الفقار بوتو.
وفى قراءة مشهد الاغتيال تلخيص بليغ للحالة الباكستانية الراهنة، وجذورها التاريخية منذ نشوء الدولة عام 1947، كوطن لكل المسلمين في شبة القارة الهندية، على يد القائد الأعظم محمد على جناح،، بالهام من شاعر البنجاب الفيلسوف محمد اقبال.
فلقد ظلت باكستان تتنازعها رغبة قوية في ترسيخ الحكم الديمقراطي، الذي يضمن بقاءها كدولة تعددية، في حين يمسك بقيادها سلطة العسكر والجيش كدرع واقي من محاولات الانقسام الداخلى، وحامى للوطن من الخطر الخارجي القريب على الحدود والعابر لها.
كما بقيت اسيرة هاجس الحفاظ على الاستقلال والهوية الإسلامية، والانجذاب بقوة إلى التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، ومجاراة التقاليد البريطانية في إدارة المؤسسات وحتى في ابسط الشؤون اليومية، لدرجة أن السيارات في شوارع باكستان مازالت تحتفظ بعجلات القيادة على اليمين، من دون انتقاص من الحفاظ على الزى التقليدى وملامح التدين.
وفرخت هذه المعادلة ثنائية الحكومات الديمقراطية والانقلابات العسكرية، ومزجت الديمقراطية بشوائب الفساد، وحصرت اللعبة الحزبية في أوساط كبار ملاك الأراضي والزعامات القبلية. ولم تكن بنازير غائبة عن إدراك هذه الثنائية ومخاطرها، عندما اتخذت قرارها بالعودة إلى باكستان بعد ثمانى سنوات من المنفى، حاملة معها قدرها، بيد تمسك اتفاق ( تقاسم السلطة) مع الجنرال برويز مشرف،
بعدما تخلى عن قيادة الجيش، ليفوز بفترة رئاسية جديدة، وبيد أخرى تعهدات للإدارة الأميركية وحلفائها الإقليمين بتنفيذ ما عجز مشرف عنه، أي استئصال المتطرفين والمتشددين والإرهابيين من الساحة، وتغيير مسار الدبلوماسية باتجاه ترسيخ الحلف مع إسرائيل، وفض نزاع كشمير.
ولا تقف تهديدات الإرهاب عند اغتيال بنازير بل تطال مشرف، وهو ما ظهر جليا في أزمة اقتحام المسجد الأحمر (لال مسجد)، والنوادي الصحية ومحلات بيع الأشرطة المدمجة، وانتزعوا بعصيهم وجنازيرهم دور تطبيق الشريعة،
من دون اعتبار لصحيح الإسلام الذي يقصر هذا الواجب على الحاكم. بل زاد زعيمهم بتأسيس محكمة شريعة خاصة به، وهو ما تكرر في وادي سوات حيث تنفذ عمليات قتل واغتيالات لقادة وجنود باسم (نفاد الشريعة).
الآن، والى أجل غير بعيد تقف باكستان في قلب متاهة الجنرال مشرف الطامح إلى تحديث بلده ودفعها إلى صدارة المشهد الإقليمي كقوة اقتصادية وعلمية وتقنية أولى بعد الصين،ومتقدمة على الهند(الجار النووي اللدود).
إلا انه وبسبب جذوره العسكرية ولعنة التقارب مع الأميركيين، وحربه على التطرف والإرهاب، خسر شعبيته، بل وقوض كثيرا صورة المؤسسة العسكرية، وخدش هيبتها تحت تأثير ضربات الإرهاب في وادى سوات، بعد اسر المئات من الجنود بأيدي تنظيم (نفاد الشريعة) المواليين للقاعدة وطالبان.
وتأسيسا على ما سبق، تقف باكستان على مفترق طرق: اما إلى استقرار عويص المنال بتنازلات صعبة من جميع الأطراف،ا وإلى حافة فوضى هدامة. وفى حالة توصل أطراف اللعبة إلى صيغة جديدة للحكم دون مساومات حزبية، بل على قاعدة مصلحة باكستان العليا، سينفتح باب الأمل، وإلا ستدخل البلد في دوامة انقلاب جديد ومزيد من سفك الدماء.
سيد زهران