كثيرة هي الأزمات السياسية التي عاشتها الكويت خلال العام 2007، فالاستجوابات كانت مزعجة لدرجة عطلت العمل الحكومي وأحدثت فجوة في مبدأ التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ما دفع بالحكومة ورئيسها الشيخ ناصر الحمد إلى إحداث تعديلات وزارية في موازاة التلويح أكثر من مرة بخيار «الحل»، أي حل مجلس الأمة، بينما ظل الانسجام بين السلطتين غائباً..

وسط أحاديث تعتبر أن المشهد السياسي الكويتي بات عند عنق زجاجة مع ارتفاع سقف مطالب التيارات السياسية، ومنها المطالبة برئيس وزراء شعبي، وهو موضوع كان، وربما لا يزال، «تابو» بالنسبة إلى السلطة،

بينما المشهد الذي يراه الكثير فوضى، أو إرهاصات لها، بات عامل تنفير من الديمقراطية، في دول المحيط الخليجي، بينما الكويتيون، الذين لا يخفي الكثير منهم «كفره» بالديمقراطية كما يشاهدها، أن ما يجري يضيّع البلد ويئد التنمية والإصلاح.

أين الخلل؟ سؤال حملته «البيان» إلى عدد من الضالعين في الشأن السياسي الكويتي فاختلف التوصيف وتباينت الرؤى، ولكن الاتفاق كان على أن الوضع الحالي «غير صحي»، وكان من أبرز المتفق عليه تماهي الحد الفاصل بين صلاحيات السلطتين وعلو صوت النواب، ما أحدث خللا غير مسبوق في عمر هذه الديمقراطية الذي يزيد على 45 عاماً.

ولا يخفي كثير من السياسيين الكويتيين استياءهم من الوضع، ويرون أن الكويت تعيش أسوأ حالاتها ديمقراطياً نظراً لطغيان صلاحيات سلطة على أخرى، وبات كثيرون يرون أن هناك «التباساً» ما في الدستور، الذي وضع العام 1963 في مقابل حائط صد قوي من قبل تيارات سياسية عدة ترفض المساس بالدستور، وتصر على أن الخلل سببه الممارسة لا النصوص وتنازل إحدى السلطتين عن صلاحياتها.

الأصوات باتت تعلو من داخل السلطتين إلى «وقفة مراجعة» لآليات العمل السياسي، الذي وصل قبل نحو الشهرين حد التراشق الكلامي بين رأس السلطتين: رئيس مجلس الأمة جاسم الخراف، ورئيس الوزراء الشيخ ناصر الحمد،

وهو ما عكس أجواء التأزيم غير المسبوقة منذ حل مجلس الأمة في العام 1986 وتعطيل الحياة البرلمانية لسنوات، قبل أن تعاد إليها الروح تحت وطأة الضغط الدولي، في فترة ما بعد التحرير من الغزو العراقي مطلع تسعينات القرن الماضي.

«غياب الانسجام الحكومي والحدة من جانب النواب».. هما محورا تشخيص النائب صالح الفضالة، الذي شغل في التسعينات منصب نائب رئيس مجلس الأمة، والذي ألقى مسؤولية التأزيم السياسي على الحكومة التي وصفها بأنها «تسير من دون برنامج وعلى غير هدى».

ولفت الفضالة إلى أن التفاهم بين أعضاء الحكومة يبدو غير منسجم، وهو ما انعكس في خروج العديد من الوزراء خلال الأشهر الماضية. وقال الفضالة إن الانسجام مفقود داخل الحكومة التي افتقدت في العديد من ممارساتها الُمُثل الدستورية،

وأعطى مثالا على ذلك تأخرها في تقديم برنامجها إلى المجلس أكثر من سنة و 6 أشهر (مع أنها شهدت خلال هذه الفترة أربعة تغييرات وزارية) وهو ما يخالف المادة 98 من الدستور الذي يلزم الحكومة بتقديم برنامجها فور تشكيلها.

وعن العلاقة بين مجلس الأمة والوزراء، لم يبرئ الفضالة زملاءه النواب فهو يرى «حدة أكثر من اللازم»، لكنه أعاد الكرة إلى الملعب الحكومي، لافتا إلى قصور حكومي وعدم تماسك في عملها ما يضع في يد النواب الكثير من المماسك.

لكنه طالب النواب ببعض المواءمة بين الأبيض والأسود معتبرا أن الحكومة المثالية صعبة التحقيق. وأبدى قلقه من انعكاس هذا الجو من الشد والتجاذب على حال البلد السياسي والاقتصادي، حيث يبحث رأس المال عن المكان الهادئ والدافئ.

وعلى الطرف المقابل، توضح الوزيرة السابقة د. معصومة المبارك التي كانت أول سيدة تنال عضوية مجلس الأمة (وإن بحكم موقعها الوزاري)، إن الخلل في علاقة البرلمان بالحكومة يكمن في عدم الالتزام بنصوص الدستور الذي ينص التعاون بين السلطتين، مع عدم جواز أن تتنازل أي منهما عن أي جزء من اختصاصاتها للأخرى،

وانتقدت الرغبة الجامحة لبعض نواب مجلس الأمة في «تمدد» السلطات والصلاحيات في مقابل نوع من عدم الحزم من جانب السلطة التنفيذية. وتدافع د. المبارك (التي كان لها تجربة مؤلمة مع مجلس الأمة عبر كثير من التصعيد الكلامي والتهديد بالاستجواب قبل أن تقدم استقالتها أواخر أغسطس)، عن الدستور الذي ترى أنه يمتاز بالحكمة والحنكة

ويحقق توازنا بين صلاحيات السلطتين «ولكن تجرّؤ بعض النواب أحدث نوعا من الاختلال في هذا التوازن» لغير صالح العلاقة المطلوبة ولغير صالح السلطة التنفيذية، ورأت أن دواء هذا «الخلل الطارئ» يكمن في الالتزام بالدستور والحزم الصارم نحو أي تعسف من جانب أي من السلطتين نحو الأخرى، تحقيقا للتعاون الموزون.

وعن جدوى «علاج» الحل، سواء الدستوري أو غير الدستوري، الذي يلوح به من قبل السلطة، تقول إن الديمقراطية في الكويت خيار استراتيجي، ووجود سلطتين أمر لا مفر منه لأن عكس ذلك يخالف الاستقرار الذي عهدته الكويت حتى قبل وضع الدستور في العام 1963.

أما الحل غير الدستوري فمرفوض تماما مع تشديدها على أن الحل الدستوري (الذي يقضي بتنظيم انتخابات نيابية خلال 60 يوما) جزء من الحل ولا يمكن أن يكون حلا للأزمة، وشخصت الحل في: الوعي شعبياً ونيابياً وحكومياً، مطالبة السلطة التنفيذية بالدفاع عن صلاحياتها وحدودها ومعرفة ماذا نريد؟ مع تغيير ذهنية القاضي والنائب.

«للأسف نلاحظ زيادة في نغمة الكفر بالديمقراطية»®. بهذه الكلمات عبرت د. معصومة المبارك عن حسرتها على سير العملية الديمقراطية في بلادها وأسلوب «إدارة» الديمقراطية «الخاطئ»، وانتقدت النهج النيابي الذي يأخذ رغبات الناخبين في الرخاء المالي ومطالبهم على محمل التقديس ويسعى لفرضها على الحكومة «من دون مراعاة للمصلحة العامة ولتأثيرها على الوضع المالي للدولة والتنمية وحتى الأسعار».

نقل السلطة إلى الشعب

أما رئيس جمعية تنمية الديمقراطية في الكويت ناصر العبدلي، فيعزو التوتر إلى الاستحقاقات التي أثمرتها التجربة الديمقراطية بعد 45 سنة من الممارسة، وتأخير تسليم السلطة التنفيذية على الشعب.

يقول العبدلي ل«البيان» إن النضوج في حركة المجتمع المدني باتت تستدعي تفعيل مواد الدستور بحسب حاجة المجتمع، وليس فقط الاحتفاء بما تعطيه الحكومة. وأشار إلى بندين، الأول: اختيار رئيس الحكومة، إذ لا ينص الدستور على كونه من الأسرة الحاكمة كما جرى العرف،

وفي هذا الشق تتزايد المطالب بأن يكون رئيس الوزراء شعبياً. وثانيا: تنظيم المجتمع السياسي، اذ يشير الدستور إلى رؤساء الوزارات السابقين ورؤساء الجماعات السياسية، ما اعتبره دليلا على إقرار الدستور بوجود الأحزاب وإن لم يسمها صراحة.

وعن الاستجوابات المتلاحقة التي يرى كثيرون أنها تتسبب في تأزيم الجو السياسي، رأى أنها «نتيجة وليست سبباً» وهي تحصيل لتأخر تسليم السلطة التنفيذية للشعب. ولكن كيف تنتقل السلطة التنفيذية مع غياب الأحزاب السياسية؟

العبدلي لا يعطي جوابا واضحا، ويكتفي بالإشارة إلى ما يقوله الدستور، في الاستجوابات، وشدد على أن هذا المشهد سيصبح من الماضي لو كانت السلطة التنفيذية في يد حزب الغالبية، أو حتى ائتلاف من الكتل النيابية. ويقول «إذا كانت القوى البرلمانية هي التي تشكل الحكومة.. لماذا تستجوبها؟».

وتحدث العبدلي عن فجوة في التفكير السياسي بدأت في الظهور في المشهد السياسي بينت «تفكير الشعب الذي يطالب بالحكم الشعبي، وتفكير الأسرة الحاكمة التي ترسل إشارات بشأن الحل غير الدستوري لمجلس الأمة، ما يعني العودة إلى الوراء ثلاثة عقود».

وأشار إلى مشكلة ثانية تتسبب في أزمة الديمقراطية التي تعيشها الكويت وهي وجود القطاع العام الضخم، مركزا على أن فكرة القطاع العام، التي تسيطر فيها الدولة على كل قطاعات الإنتاج، تتعارض مع الفكر الديمقراطي القائم على الضريبة والعمل التطوعي.

صراعان وتجاذبان

ويرى كثير من السياسيين الكويتيين أن تساهل الحكومة وتنازلها عن بعض سلطاتها، هو السبب الرئيسي وراء تدخل النواب في ما لا يعنيهم في تفاصيل تدخل في صلب عمل وصلاحيات الحكومة، حتى أن الأصوات بدأت تخرج من داخل البرلمان منتقدة هذا النهج الذي يعتبر تعديا على المادة 50 من الدستور،

والتي تنص على مبدأ الفصل بين السلطات وصلاحية الوزراء في القيام بأعمال وزاراتهم. وهو لا يزال يلقى عراقيل بسبب الاستجوابات، وكثرة التلويح بها، وما يترافق معها أحيانا من تكتيكات حكومية تعتمد التغيير الوزاري أو التعديل أو حتى التدوير مخرجاً، حتى أن أحد الوزراء أجبر على الاستقالة بعد ثمانية أيام فقط من توليه حقيبته الوزارية (وزير النفط بدر الحميضي)،

والآن تواجه وزيرة التربية د. نورية الصبيح استجوابا بعد أقل من ستة أسابيع على تأليف الوزارة الجديدة أواخر أكتوبر الماضي. وكان اللافت أن هذا الاستجواب شق، نوعا ما، وحدة صف نواب البرلمان إذ إن استهداف الوزيرة يعود إلى دوافع فكرية أكثر منها مهنية رغم الحجج المعلنة، فالنواب الليبراليون انبروا للدفاع عن الوزيرة في وجه الانتقادات التي تأتيها من قبل نواب التيارين الدين والقبلي.

ورأى رئيس التحالف الوطني الديمقراطي خالد هلال المطيري، المشهد السياسي الكويتي انعكاسا لصراع بين تيارين: الأول داعم للديمقراطية. والثاني، معاد لها ويدفع نحو تشويه التجربة الديمقراطية.

واقترب المطيري أكثر من نواة المشكلة ليقول إن السبب الرئيسي هو «عدم امتلاك السلطة أي مشروع للكويت ومستقبلها»، معتبرا أن «ما زاد من حدة الخلل» السياسي في البلاد ظهور صراعات، بعضها مشروع وبعضها غير مشروع، بين أبناء بيت الحكم الذين لجأ بعضهم إلى الاستقواء بالشارع.

ويشدد المطيري على أن هذا «هو لب الموضوع وكل ما يجري على منصة السياسة مجرد ظواهر وتفاصيل»، لافتا إلى أن هناك البعض الذي يدفع باتجاه أن مجلس الأمة هو مساحة الفوضى الوحيدة في البلد «لأهداف» تتعلق بأجندة التيار الثاني.

ماذا عن الأحزاب؟ هل تكون حلاً؟

السياسي ، خالد المطيري، يبدو مؤيدا بقوة لهذا الأمر، ويكشف عن أن التيار السياسي الذي ينتمي إليه قدم اقتراحاً إلى سدة الحكم بهذا الشأن، مركزا على أنه «لا ديمقراطية في العالم من غير أحزاب».

ويوضح أن تكوين الأحزاب سيحدد صورة ميزان القوى النيابي لجهة ضمان الغالبية التي تدعم وتؤازر رئيس الوزراء وبرنامج حكومته. ويؤكد على أن تداول السلطة المنشود «في حدود الدستور»، مشدداً على أن الكويت من الصعب أن تدار بعقلية الخمسينات لافتا إلى أن أسلوب التعاطي السياسي «شل البلد» وجعلها قريبة من الفوضى.

وقال إن معيار نجاح أي رئيس وزراء هو مقدار إنجازاته وليس قدرته على تجميع أصوات في مجلس الأمة «كما هو حاصل عندنا». وتابع أن السلطة تخشى الترخيص للأحزاب خشية أن يتصور حزب الغالبية أنه يمتلك شرعية شعبية أكثر منها «وهذا تخوف نسمعه»، ويشير إلى عدم تفهم الناس لفكرة الأحزاب فضلاً عن عدم تحمس الكويتيين للعمل الجماعي حتى لو كان حزبياً.

ويضيف إن السلطة ترفض البديل الذي تطرحه التيارات السياسية ولا تقدم بديلاً. ويؤكد على أن طرح فكرة الأحزاب لا يهدف إلى إضعاف النظام بل هو مخرج من حال الشلل، «وإذ كان هناك بديل أفضل نحن معه»، ويشدد على: «نحن لسنا في صراع».

في ضوء هذا المشهد، هل هناك ديمقراطية في الكويت؟

يرد خالد هلال المطيري ب« نعم». لكنه يرى تراجعا في مدى الحريات عما كانت عليه قبل ثلاثة عقود مثلا، وهو يعزو ذلك للنفوذ الذي حصلت عليه الأحزاب الدينية التي تناهض أجندتها الحريات الشخصية «والتي عرفت كيف تستفيد من الديمقراطية وفي نسج شبكة تحالفات مع السلطة».

وفي الخلل الحاصل في العلاقة، تعددت سيناريوهات الحل - المخرج، فالكثير من السياسيين يرى الحل في إجازة قيام الأحزاب حتى يكون هناك التزام حزبي ومواقف سياسية محددة وواضحة مقيدة في حدود البرامج المعلنة، وتشكيل حكومة مدعومة بغالبية نيابية تصد عنها الاستجوابات وحتى الاستفزازات.

لكن، هل الكويت مهيأة لقيام أحزاب سياسية؟

رئيس مجلس الأمة جاسم الخرافي، كان عبر عن هذا قبل أشهر بدعوته السلطة العليا في الدولة إلى فتح الباب أمام تشكيل الأحزاب. وهي دعوة باتت تلقى رواجا في الأروقة السياسية والشعبية وبخاصة أن البلاد تعيش فعلا شكلا من أشكال التخريب، ولكن وفق أهواء وأجندات مصلحية تبقى خارج نطاق السيطرة، نظراً إلى عدم وجود قوة الالتزام الحزبي التي ترسم حدود التحرك وخريطة طريق المناورة، بعيدا عن المجازفة والمغامرة.

وتنأى عن الممارسة السياسية الكويتية ذلك المشهد الذي دفع بوزير شؤون مجلس الوزراء والأمة شريدة المعوشرجي، للاستقالة من الحكومة بسب دعم الكتلة السياسية التي تنتمي إليها لاستجواب زميل له في الوزارة، ما أوقعه في حرج سياسي لم يجد مخرجا له سوى اعتزال العمل الحكومي.

وعكست هذه الحالة ضبابية تعيشها الكتل النيابية التي قد تتفق على ملف ما وتفترق، إلى حد الحرب الشعواء على ملف آخر، وسط حالة من الانجرار نحو الاستهداف، وأحيانا بإسفاف، ضد شخص الوزير المستهدف حتى أن مفهوم الاستجواب الذي يعني المساءلة (وبمعنى أدق التحقيق) بات مرادفاً ل«طرح الثقة»،

وهي مرحلة دستورية لاحقة للاستجواب وليست واجبة الحدوث، وفي ضوء الاستجوابات الأخيرة التي شهدها البرلمان الكويتي كان مجرد التلويح بالاستجواب يعني بداية النهاية للوزير أو الوزيرة حتى لو ثبتت براءته. وكانت الكويت شهدت في أكتوبر الماضي رواجا لشائعات عن حل في الأفق للبرلمان ما دفع بالقوى السياسية إلى الاستعداد لانتخابات مبكرة.

وإذا كانت المطالبة بتقسيم الكويت إلى خمس دوائر انتخابية في 2006 السبب الرئيس في حل المجلس النيابي، فإن التقسيم الجديد، الذي قبلت به الحكومة بعد كثير من الشد والجذب، كان على الأرجح وراء استبعاد الحل هذه المرة كون إدارة الانتخابات على أساس الدوائر الخمس سيكون صعباً وغير مضمون النتائج، إذ قد تعزز النتائج برلمانا أكثر حدة في الطرح ما يجعل الحكومة في وضع أكثر حراجة مع استهلاكها واستخدامها ورقة الحل مرتين في عامين متتاليين.

دور طبقة التجار

استصرخت د. معصومة المبارك عودة دور طبقة التجار الذي يعتبره البعض «ميزان» الممارسة الديمقراطية لعقود خلت وقالت إن الديمقراطية الكويتية قامت على أكتاف التجار الذين كانوا إحدى الحلقات المهمة في الممارسة السياسية الكويتية، مراهنة على عودة دورهم المدعوم بفهمهم العميق للعملية السياسية.

أما رئيس جمعية تنمية الديمقراطية ناصر يوسف العبدلي فرأى في الحوار مع أن الحراك السياسي في الكويت تجاوز طبقات التجار، معتبرا أنها الآن «بين نارين: نار الحفاظ على مكتسباتها، ونار دعم المشروع الديمقراطي».

تحقيق نضال حمدان