البحرين بلد صغير لكن تجربته الديمقراطية وحراكه السياسي كبيران وهما جديران بالقراءة رغم أجواء التأزم، التي ما فتئت تطل برأسها كلما انتعشت علامات التفاؤل وكان الحوار وسيلة التفاهم والتعاطي الوحيدة.
مرّت السنة الأولى من التجربة البرلمانية البحرينية التي انبثقت عن انتخابات 2006 بسلام، وإن اختُلِف على تقييم نتائجها السياسية، لكن مملكة البحرين عاشت في الأيام الأخيرة، مع بدء دور الانعقاد الثاني، مشاهد ظنت أنها طوت صفحتها مع تراجع حالة الاستقطاب السياسي بانضمام جمعية الوفاق الوطني الإسلامي أكبر أحزاب المعارضة إلى ركب مجلس النواب في انتخابات 2006.
المظاهرات التي وقعت في بعض مناطق المحافظة الشمالية قد تكون لها علاقة بـ «الوفاق» لكنها تقرع جرس إنذار بشأن الوفاق الداخلي، فالاحتقان لا يزال موجوداً والثقة لا تزال مشروخة. وفي بعض التشخيصات لما عاشته البحرين قبل أسبوعين جاء أن الشارع خرج من يد القيادات السياسية إلى يد القيادات الدينية،
التي كانت متحفظة على مشاركة الجمعيات السياسية المقاطعة لانتخابات 2002 في انتخابات 2006.. في وقت كانت المعلومات التي جمعتها «البيان» من عدد من أقطاب المشهد السياسي البحريني، الممثل في البرلمان أو خارجه، ومن مراقبين محايدين تفيد بأن الأحوال السياسية تسير قدماً وإن ببطء، إلا أن احتمالات المواجهة أو التصعيد تبدو بعيدة رغم ما قد يحدث أحيانا من حسابات سياسية خاطئة.
تلك الأحداث ألقت بسحابة رمادية فوق أجواء التوافق في العمل النيابي خلال الدورة الأولى من عمر البرلمان الجديد، والذي أجمع كثيرون على أن أداءه كان جيدا، واستطاع جسر هوة الخلافات بين الجمعيات السياسية الممثلة فيه، رغم أن الشارع لا يعطيه درجات النجاح نظراً لفشل النواب في التصدي لكثير من القضايا الحياتية الضاغطة،
رغم رفع الحكومة لرواتب العاملين لديها.. لكن المشكلة الأولى في البحرين تبقى البطالة وارتفاع أعداد العاطلين عن العمل، وهو ما فشل البرلمان والحكومة معاً في إيجاد أي حلول ناجعة له، رغم السعي الحكومي لإيجاد منافذ للأيدي العاملة البحرينية، وفي كثير منها خبرات فنية ماهرة، لدى دول الجوار.
الأمين العام لجبهة الوفاق الوطني الإسلامية الشيخ علي سلمان، أقر في حديث مع «البيان» ببطء سرعة عمل البرلمان خلال الـ 13 شهرا الماضية، مقارنة بتطورات القضايا السياسية والاقتصادية الملحة. وقال إن منجزات البرلمان جاءت «أقل مما يحتاجه الشارع وأقل مما تحتاجه مشاكل المواطنين»، وعزا ذلك إلى الصلاحيات المحدودة لمجلس النواب،
وإلى ضعف تعاون الكتل النيابية نظراً لاختلاف أجنداتها السياسية ما قاد إلى عجز المجلس عن إيجاد معالجات لقضايا سياسية، و«ولد حالة من الاحتقان وشعورا بعدم الرضا انعكس في صورة أزمة أمنية» كالتي عاشتها البحرين في الأسبوع الثالث من ديسمبر.
وعن شعور جمعية الوفاق بعد عام من الممارسة البرلمانية التي لم ترض القاعدة الشعبية، و«هل هناك حالة من الندم؟» جراء قرار المشاركة في انتخابات 2006 بعد مقاطعة سابقتها في العام 2002، يقول سلمان: «لا».
وهو يشدد على أن مشاركة «الوفاق»، التي كانت تقود حركة العصيان والمطالبة بإعادة الحياة النيابية بعد مقاطعة لانتخابات 2002، في انتخابات 2006 كانت خيارا استراتيجيا. وقال إن المشاركة السياسية من «الطرق الأساسية التي يتبعها الجميع في العالم لحل مشاكلهم»، وطالب بتوسيع «أطر وصلاحيات المجلس لأنه يرى أن «الصلاحيات المجتزأة غير قادرة على الاستجابة لمتطلبات إقرار حقيقي للأمن.
من جانبه، قال مدير الإعلام والعلاقات الدولية في حركة الحريات والديمقراطية (حق) د.عبدالجليل السنكيس إن معطيات التجربة الديمقراطية في البحرين تؤكد عدم وجود تجربة سياسية حقيقية، مستندا إلى عدم امتلاك ممثل الشعب صلاحيات التشريع والرقابة، وكون صلاحيات مجلس الشورى (الذي يعين أعضاؤه) أعلى من صلاحيات مجلس النواب المنتخب.
وزاد السنكيس أن انعكاسات هذه التجربة على مستوى الحريات والحقوق الاقتصادية ضعيف ولا ينسجم مع «مطالب أهل البحرين منذ الاستعمار البريطاني» بالمشاركة في القرار. وعن درجة إنجازات مجلس 2006، أعطى د. السنكيس، وهو أستاذ في جامعة البحرين، تقويما متواضعا لها،
وقال إن السلطات استخدمت العسكريين والموطّنين (مجنّسون) حديثاً في التصويت، إلى جانب اعتماد مراكز الاقتراع العامة لـ «توجيه» نتائج الانتخابات التي اعتبرها أسوأ من تجربة 2002.
أما رئيس جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) إبراهيم شريف، فيقول في تقويمه لمسيرة الديمقراطية في البحرين إن هناك «إضافات جيدة في بعض المجالات وبخاصة الصحافة وحرية إبداء الرأي وتشكيل الجمعيات السياسية»، لكنه يشير إلى انجازات محدودة في مجالات أخرى ومنها سقف التجربة النيابية المنخفض، وفي الإجمال هو يرى «تراجعاً في منحنى المكاسب» منذ العام 2001 الذي شهد توقيع الميثاق الوطني.
ويرى أن المجلس الحالي لا يختلف كثيرا عن المجلس السابق، مشدداً على أن المعارضة حصلت على أكثر من 55 في المئة من الأصوات «ولكن بسبب التقسيم غير العادل للدوائر الانتخابية والحيل الأخرى بات المجلس محكوماً بمعادلة 22 مواليا مقابل 18 معارضا ليتحول مكاناً للاستقطاب الطائفي بين فريق موالاة سني وفريق معارضة شيعي».
ويضيف شريف أن «التعديل الدستوري المطلوب بات من سابع المستحيلات بسبب تعطيل الحكومة للقوانين التي يقترحها النواب»، لافتاً إلى أن نواب الموالاة يقرون بضرورة إدخال بعض التعديلات لكن ليس في أيديهم حيلة.
وعن نتائج الاستجوابات خلال العام المنصرم قال زعيم «وعد»، إن ما يجري مجرد لجان تحقيق «فاشلة» تنتهي إلى «توصيات غير ملزمة دون محاسبة أحد من الكبار أو إسترجاع مال عام»، مشدداً على أن الاستجواب الوحيد - برأيه - كان مفترضاً إجراؤه مع الوزير أحمد عطية الله صاحب الملف الشهير المعروف ب«البندر» والذي أسقطه نواب الموالاة.
وأخيراً، ماذا عن المواجهات التي شهدتها البحرين قبل أيام؟
يقول إبراهيم شريف إن سببها يكمن في حالة الاحتقان الشعبي بسبب «توقف أو تراجع الإصلاح والتوزيع السيئ للثروة... واتساع حزام الفقر»، وحذر من أن «الوضع مرشح للانفجار إذا استمر تجاهل السلطة لهذه المعاناة».
وبعيدا عن أزمة الشارع الأخيرة يرى الخبير السياسي عباس بوصفوان أن العام 2007 شهد محاولة جديدة للتوافق عبر البرلمان، بعد سنوات من الجفاء وصلت ذروتها بمقاطعة العديد من الكتل السياسية لانتخابات 2002 بسبب صدور الدستور الذي لم ينل الإجماع.
وعدّد بوصفوان، الذي أعطى «البيان» صورة مشرقة رغم بعض المآخذ، الكثير من النقاط التي يرى أنها حفزت هذا التوافق السياسي، وأهمها أن خيارات العمل خارج البرلمان كانت تقود إلى صدامات في الشارع حتى لو رغبت الحكومة والمعارضة في تفادي حدوثها وتفادي نتائجها غير المضمونة،
وقال ان العام 2007 شهد نقل المواجهة السياسية عن الشارع إلى البرلمان مع استمرار «التوتر المضمون العواقب»، ولكن هذه المرة في سياق البرلمان وأطره التي باتت تحكم أي خلاف سياسي بين السلطة والجمعيات السياسية.
ويعتقد أن الحكومة تمكنت في العام المنصرم، إلى حد كبير، من احتواء المعارضة التي بدت «غير قادرة على المضي في مشروعها المناهض للدستور»، وأدركت بعد فترة من مقاطعتها انتخابات 2002 أن أجندة التغيير الدستوري كأولوية لا يمكن المضي بها،
فتحولت إلى العمل البرلماني وركزت عملها ضمن أجندة الخدمات مثل الإسكان وحل المشاكل الاقتصادية وعلى رأسها البطالة مع الإبقاء على بعض الشعارات السياسية «وكأنها أخرت المطالب الدستورية».
وقسّم بوصفوان التجربة الديمقراطية في البحرين إلى ديمقراطيتين: الأولى التي ولدت في العام 1972 وانتهت في العام 1975، والثانية، في العام 2002 والتي يرى أنها تسير في «مسار جيد حتى الراهن.. مسار يدرك ضرورة التوافق بين الجميع.
وإن من الصعوبة أن تسير البلد من دون أن تدرك المعارضة قلق السلطة ومن دون أن تلتفت السلطة إلى مطالب المعارضة». وهو يصف هذا التفاهم على «حق الآخر في أن يكون له أجندة» ب«النقلة الإيجابية».
وفي مقابل هذه الصورة، يفيد بوجود إشكاليات تمنع النجاح الكامل لهذه التجربة، ومنها أن تدفع إلى الأمام، وعزا ذلك إلى ضعف البرامج السياسية «حتى على المستوى الخدماتي هي غير ذات عمق ولا تدرك الأولويات»،
ويضيف لهذين الإشكالين نقطة ثالثة تتمثل في عدم تعاون السلطة وإصرارها على أن تكون الرقم 1 في القرار، فضلا عن الشعور الشعبي بضرورة أن يحقق البرلمان ما هو أكثر، ف«سقف التوقع أعلى بكثير مما هو ممكن»،
لكنه يرى أن سقف الممكن يبقى في الوقت نفسه أعلى من «سقف الواقع» الذي تفرزه آليات البرلمان ويحكمه ضعف الكتل النيابية وبرامجها، ما يجعل البرلمان غير قادر على التأثير في الحياة السياسية بفعالية. ورأى أن ممارسي العمل السياسي في البحرين يبحثون عن «قتل الناطور أكثر من بحثهم عن جني العنب»®.
ولفت في هذا السياق إلى عدد من الاستجوابات التي شهدها البرلمان خلال الأشهر المنقضية وأسفرت عن إزاحة ثلاثة وزراء، ليتكشف لاحقا أن الاستجواب الذي طال وزيرة الصحة ندى حفاظ لم يكن مخططا له الانتهاء إلى إقصائها «وهذا دليل على قلة تبصر»، ونوع من العمل السياسي غير محسوب النتائج.
ومع ذلك لا يرى الخبير البحريني تأثيرا جديا للبرلمان على سياسات الحكومة، التي تعبر أنها أحيانا تستجيب للتغييرات «ولكنها لا تستجيب للسياسات». أما النائب الأول لرئيس مجلس النواب ورئيس جمعية وكتلة الأصالة النائب غانم البوعينين، فيرى التجربة الديمقراطية واحدة بلا أي برزخ، ويعيدها في جذورها على العام 1923 حيث انبثقت أول دعوة لإنشاء مجلس تشريعي،
وهو يؤكد على أنه لم يخل عقد من عقود القرن الـ 20 من مطالبة سياسية، لكنه يشير إلى أن عقدي الستينيات والسبعينيات شهدا زخما في التحرك السياسي نظرا للتطور والنهضة النقابية رغم ما اعترى السبعينيات من مناحي العنف الذي تفجر خلال العقدين التاليين حتى دشن البرنامج الإصلاحي للملك حمد بن عيسى آل خليفة.
ما الاختلاف بين الحراك السياسي في القرنين 20 و21؟
يرى نائب رئيس مجلس النواب البحريني أن أبرز ما يميز الحركة السياسية في الوقت الراهن (نقصد منذ مطلع القرن 21) الداء السلمي في المطالبة بعد سنوات من دوامة الخوف، في ضوء انتهاج أسلوب التخويف وقتل رجال الأمن وهو ما قوبل من السلطة أيضا بالعنف والقوة.
«البيان» سألت البوعينين، الذي يترأس جمعية الأصالة عن مدى تأييده لتأسيس أحزاب.. فقال إنها قائمة على أرض الواقع ولكن تحت يافطة جمعيات، فالأحزاب، كبرنامج واسم ومرامٍ، لا تؤسس إلا سعيا للوصول إلى السلطة، «وهذا أمر غير قائم وربما غير وارد عندنا في الخليج».
ويشدد البوعينين على أن «لا جدوى من قيام الأحزاب لأن الهدف منها منتف»، ولكنه يشيد بتجربة بلاده التي فتحت الباب أمام العمل السياسي المؤسسي والمنظم منذ عشرات السنين، إذ توجد جمعية تجمع تحت لوائها كل توجه سياسي.
ويضيف أن الجمعيات السياسية يمكن اعتبارها «الحل الوسط» لإشكالية رفض قيام الأحزاب السياسية وضرورة تنظيم التجمعات والأفكار السياسية، وهو يراها ممكنة التطبيق في كل منطقة الخليج من الكويت إلى عمان في ضوء تشابه النظامين السياسي والاجتماعي القائمين.
وقال إن الترخيص للجمعيات هدفه إحداث تغيير إيجابي عبر تعزيز مبدأ المشاركة السياسية، وبما لا يصل إلى حد المطالبة بتداول السلطة الذي قد يثير الخوف لدى القيادات الحاكمة. وردا على سؤال عن احتمالات تطور المطالب مستقبلا، بين البوعينين ان كل الأطياف في البحرين من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين ممثلة سياسيا ولها جمعيات «تعرف حدود العمل السياسي»، وتعمل على تطوير المشاركة الشعبية في صنع القرار.
وعن إنجازات برلماني 2002 و2006 في ضوء ما يتداول في الشارع البحريني من حالة تذمر، حيال قضايا مثل الإسكان والبطالة وغلاء المعيشة، قال النائب البحريني ان الجمعيات الممثلة في البرلمان تدعم وتؤازر السلطة التنفيذية في تنفيذ الكثير من القرارات الإصلاحية،
ولكنها في المقابل تحاسب «وكرسي الوزير لم يعد امتيازا مكتسبا، بل بات مساءلاً»، لافتا إلى أن لجان التحقيق النيابية لم تستثن أحدا وطالما كان هناك خلل في أي منحى من أعمال الحكومة. وختم البوعينين رؤيته للمشهد السياسي البحريني، بالقول إن العمل السياسي في مملكة البحرين يجب أن يتطور
لأن العمل السياسي تراكمي والديمقراطية لا تنجز بعصا سحرية بل تحتاج لكثير من العمل والمثابرة «فبريطانيا لم تصل إلى ما وصلت إلي ديمقراطية إلا بعد جهد 400 سنة»، وشدد على أن حرق المراحل يضر أكثر مما ينفع إذ أن تراكم المراحل والمكتسبات هو الأنجح.
تحقيق نضال حمدان

