كانت أشهر الصيف الماضي في قطر أكثر سخونة من المعتاد، فالكلام عن انتخابات برلمانية كان أكثر من مباح، لكنه سريعاً أفل وذرته الرياح. الأسئلة عن السبب، والغاية، والزمان، كانت كثيرة.. أما الأجوبة فلا يخرج أفضلها عن نطاق التخمينات، وأكثرها تفاؤلاً يقول إن الانتخابات آتية في 2008 وأنها تطبخ على نار هادئة.
بدأت رحلة القطريين مع صناديق الاقتراع في مارس 1999 في انتخابات المجلس البلدي، حيث تم انتخاب 29 عضوا، من بين 227 مرشحاً، لكن الدورة الثانية عكست صورة مغيرة نمّت عن تراجع في الحماس للديمقراطية، إذ خاض الانتخابات 90 مرشحاً فقط..
وعزا البعض هذا التراجع السريع إلى محدودية الصلاحيات. ويكاد هذا الأمر يبدو أكثر وضوحاً في المشاركة النسائية، ففي التجربة الأولى شاركت ست نساء لم تفز أي منهن ما سبب للناشطات القطريات صدمة، وشارك في الثانية ثلاث سيدات فازت واحدة هي شيخة الجفيري.. أما الثالثة فكانت مرشحة وحيدة لكن نتائجها كانت مفاجئة إذ كانت الأعلى تصويتاً.
ويرى البعض أن الجدية والحرص على التفاعل الإيجابي كانت سمة المجلس الأول، بينما انقلب الحال في الدورة الثانية إلى تغيب وخلافات كثير منها ليس له علاقة بالمصلحة العامة. الأشهر الماضية شهدت العديد من الدورات التدريبية وورش العمل وبخاصة للسيدات اللائي يحضرن لظهور قوي في الانتخابات في حال تقرر إجراؤها.
«البيان» سعت لسبر أغوار هذا «التراجع» في نية تأسيس مجلس شورى، رغم أن قانونه موضوع منذ العام 2005 مع إنجاز الدستور الجديد، فضلاً عن التدقيق في حظوظ النساء في ظل ما يقال عن أن القيود القبلية لا تزال تكبح انطلاقة المرأة.
د. موزة المالكي الناشطة في العمل العام وخاضت تجربة انتخابات المجلس البلدي،تقول عن تجربة بلادها والتي ترى أنها الأولى في الخليج. وهي ترى أن التجربة رغم بساطتها إلا أنها مهدت الطريق لتجارب أخرى في قطر ودول الخليج الأخرى.
ورغم محدودية إرث الديمقراطية في قطر، تقول د. المالكي إن القطريات كن أكثر حظا من قريناتهن في الخليج كونهن نلن حق الترشيح والتصويت «سوياً» مع الرجل. وعن هدف خوضها انتخابات 1999 إلى جانب خمس أخريات قالت «أردت ترك بصمة»، لكن المرشحات الست لم يحرزن أي مقعد من بين 29 مقعدا، وكانت حظوظ النساء أفضل في الدورة التالية (2003) إذ حظين بمقعد رغم أنه لم يترشح منهن سوى واحدة.
وعن التطلعات لدخول قطر ركب التجارب التشريعية، وما تطلبه من مجلس النواب المرتجى، تتوقع د. موزة المالكي، وهي معالجة نفسية وكاتبة صحافية معروفة في قطر، أن تولد التجربة في العام 2008. وتضيف أن تجربة الانتخابات البلدية ناجحة وأثبتت جدارة المرأة، في إشارة إلى فوز شيخة الجفيري في انتخابات 2007 بالمركز الأول، لجهة حجم الأصوات وبفارق كبير عن المنافس التالي
ومع ذلك، تطالب د. المالكي بتخصيص «كوتا» للنساء في انتخابات البرلمان المرتقب، مشددة على أنه «بهذا الوضع وفي ظل العقلية السائدة لن تصل المرأة إلى مجلس الشورى المنتخب» لافتة إلى أن الوعي لا يزال ضعيفا بدور المرأة وحقها السياسي. كما طالبت بتقليص عدد الدوائر (التي تبلغ 29) إلى خمس.
وعن جهود النساء القطريات لإقناع القيادة النسائية بوجهة نظرهن وعرض مطالبهن، قالت المالكي بحرقة إن مثل هذه التحركات معدومة «فليس هناك ولا جمعية نسائية»، معتبرة أن مفهوم المؤسسات الأهلية غير الحكومية لا يزال غير واضح في قطر.
التأخير وأسبابه
ومن جانبه، يوضح وزير العدل القطري السابق د. نجيب النعيمي، أن تفاصيل عدة يتقدمها توزيع الدوائر الانتخابية تقف وراء عدم تحديد موعد للانتخابات النيابية التي كانت محل تداول على نطاق واسع خلال الأشهر الماضية.
وعن توقعاته حيال أسباب هذا الإرجاء، رغم أن الأمور بدت وشيكة الإنجاز خلال الصيف الماضي، قال النعيمي ل«البيان» إن الحكومة لم تشرح الأسباب، ورأى السبب في تصنيف وتوزيع الدوائر الانتخابية وطريقة الترشيح، لافتا إلى أن قانون الجنسية يقيد العملية الانتخابية فليس كل قطري له حق الترشيح حيث يقتصر هذا الحق على القطريين من الفئتين الأولى والثانية.
ويبدو النعيمي محتفظاً بتقييم سلبي عن تجربة المجالس البلدية، التي يقول سريعا عنها إنها «فاشلة» فقانون المجلس البلدي «لا يعطي الأعضاء دورا تشريعيا أو حتى إداريا وهو أشبه بالمستشار أو يعمل كلجنة استشارية لوزير البلدية وأقل من الدور المرجو»، ويعتبر أن المرشحين لا يعكسون الإدارة الشعبية ما تسبب في «انخفاض كبير في إقبال القطريين على الانتخابات البلدية» فأغلب أعضاء المجلس البلدي فازوا بالتزكية وباتت العضوية «أشبه بالتعيينات».
وعن المرأة، يقول الوزير القطري السابق، إن هناك اتفاقا سياسيا على أن تكون المرأة مرشحة، وهو لا يمانع بفوز النساء بكل مقاعد المجلس النيابي المرتقب، أو حتى المجلس البلدي، إن أقنعت الناخب ببرامج عملهن.. ويضيف «عليهن بالعافية».
ويتابع أن عقلية المجتمع القطري متقبلة بقوة لدور المرأة، وهو يشير إلى تواجد النساء في كل إدارات الدولة وحتى في الشرطة والجيش والاستخبارات مع دور قوي في الدبلوماسية ووزارة الخارجية رغم عدم وجود سفيرة حتى الآن. ويقول إن المجتمع -عدا القلة- يشجع المرأة الراغبة في خدمة بلدها أن تأخذ حقها.
هل سيكون المجلس المقبل كامل الصلاحيات؟
يرى د. النعيمي إن الحديث يدور عن سلطات تشريعية ورقابية «ولكن في حدود معينة غير اننا لا نتوقع أن يكون مثل برلمان بريطانيا». وهو يتوقع، ردا على سؤال لـ «البيان» أن يكون مجلس الشورى قريبا من صلاحيات البرلمان البحريني ولكن ليس بغرفتين.
وماذا عن رغبة القطريين في مجلس نيابي في ضوء ما يرونه حدة في الطرح في بعض برلمانات المنطقة؟
يجيب بان الحماس الذي طال التجربة الأولى للانتخابات البلدية يعكس رغبة شعبية قوية. ويحدث النعيمي «البيان» عن تجربته الانتخابية الأولى التي رشح نفسه فيها للانتخابات البلدية لدفع «الجانب النفسي والعقلي» في ما يخص المشاركة.
وانتقد كثيرا برامج بعض المرشحين الارتجالية التي كانت تستند إلى وعود كاذبة مثل رفع الرواتب وحل مشكلة الإسكان «إذ كان البعض يتوهم أنه مترشح لبرلمان». وفيما يرى أن تجربته الانتخابية رغم أنه لم يفز بمقعد بمحض إرادته، إذ لم يسع للفوز وأجبر على المشاركة، كانت مفيدة جدا وغنية.. فإنه يقول وبثقة أنه سيدخل بقوة في انتخابات مجلس الشورى المنتظر.
تحقيق نضال حمدان