سيطرت قضايا كفالة الحريات العامة والإصلاح الحزبي والاستحقاق الانتخابي واستعادة الديمقراطية على المشهد السياسي السوداني خلال العام 2007 دون أن تتضح معالم التحول الديمقراطي الذي وعدت به اتفاقية السلام، في ظل السيطرة التامة لطرفي الاتفاقية على قواعد اللعبة السياسية، وبروز الحركات المتمردة كمنتج للزعامات السياسية الجديدة، في حين بقيت القوى السياسية الأخرى تلعب دوراً محدود التأثير في تغيير المعطيات الراهنة.

ورغم أن السودان مقبل على استحقاق انتخابي رئاسي وبرلماني في غضون أشهر معدودة، إلا أن هذا العام انقضى من دون إشارات جدية إلى أن القوى السياسة المعارضة تستعد لهذا الاستحقاق كوسيلة للتغيير، فيما بقي الانقسام والتشرذم العنوان السائد وسط جميع الأحزاب التي تصنف تاريخيا بأنها الأكبر، في ظل ازدياد حضور حركات التمرد المسلحة وتأثيرها في مناطق البلاد المختلفة.

ويبدو أن حزب المؤتمر الوطني الحاكم الذي يتزعمه الرئيس عمر البشير الذي يحكم البلاد منذ العام 1989 هو وحده الذي يبدو متحمسا ومتعجلا لإجراء الانتخابات العامة التي بدأ الاستعداد لها جدياً، ربما لمنافسة نفسه للمحافظة على سيطرته على السلطة والأغلبية التي يتمتع بها حاليا والتي كفلتها له اتفاقية السلام حتى إجراء انتخابات عامة بنهاية العام المقبل.

وكان الحزب الوحيد الذي عقد مؤتمراً عاماً الشهر الماضي حدد فيه برنامجه ودشن حملته للانتخابات الرئاسية والبرلمانية. وتستبعد القوى السياسية المعارضة على ما يبدو إجراء الانتخابات في موعدها المحدد.

ورغم أن ممثلين للأحزاب السياسية المختلفة في البلاد يشاركون في المشاورات الجارية منذ أشهر في مفوضية المراجعة الدستورية لإصدار قانون الانتخابات، إلا أنها لم تقدم على الاستعداد فعليا لها، ربما باستثناء حزب المؤتمر الشعبي المعارض المنشق عن الحزب الحاكم الذي نشط زعيمه حسن الترابي في جولات لتحريك قواعده الشعبية في مناطق مختلفة بالسودان، ولكنه مع ذلك يرسل إشارات متضاربة بشأن مشاركته في الانتخابات.

حيث دعا في بعض خطبه إلى مقاطعتها متهما الحزب الحاكم بأنه ينوي تزويرها. ومع أن اتفاقية السلام الشامل التي أنهت حرب العشرين عاما في جنوب السودان تتضمن بنودا وخطوات لإطلاق الحريات العامة، والعمل الحزبي والتوجه لإحداث تحول ديمقراطي وصدور دستور وقوانين جديدة لتعزيز هذا التوجه خلال العامين الماضيين كان آخرها قانون الأحزاب، إلا أن ذلك لم يسهم في خلق هذه الأجواء المواتية للتحول بسبب تحفظ أغلب القوى السياسية على احتكار حزبي المؤتمر الوطني والحركة الشعبية للسلطة، إلى جانب مشاكل تنظيمية تواجه هذه الأحزاب.

وقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم عضو البرلمان د. صبحي فانوس إن المشكلة تكمن في أن القوى السياسية المعارضة تنتظر قيام دولة ليبرالية ديمقراطية في السودان من دون إقدامها على تحقيق أصلاح سياسي بداخلها، مشيرا إلى ارتباط الإصلاح السياسي بالإصلاح الحزبي.

وأعرب فانوس عن اعتقاده بأن تحقيق الإصلاح الحزبي يحتاج إلى تجديد القيادات الحزبية، ودعا القيادات التاريخية للأحزاب إلى «التنحي طوعا وإفساح المجال لقيادات شابة، ولتحقيق معنى التبادل السلمي للسلطة، إذ لا يمكن المطالبة بها على مستوى الحكم والتبرؤ منها على المستوى الحزبي».

وأضاف فانوس أن إحداث إصلاح حزبي يتطلب بناء هياكل ومؤسسات منتخبة من القواعد تمارس الديمقراطية، وفتح أبواب المشاركة الفاعلة للمرأة والشباب، وصياغة برامج سياسية معلنة، وحذر من أن فشل الأحزاب السودانية في تحقيق الإصلاح سينعكس سلبا على عملية التحول الديمقراطي وتحقيق الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم د.عدلان الحردلو إن أكثر السيناريوهات احتمالا للتحالفات السياسية في الانتخابات المقبلة هو استمرار التحالف الراهن بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية «للحفاظ على المصالح والمكاسب التي تحققت لهما باتفاقية السلام التي تكفل لهما السيطرة على 80% من كل أجهزة السلطة، رغم التباين الأيديولوجي والرؤى السياسية بين الطرفين.

وقال إن القوى الداعية للحرية والديمقراطية إذا تمكنت من تحدي الحصار المفروض عليها بالقانون والإجراءات الأمنية وتجديد خطابها وطرح برامج ملهمة للناس ستشكل قوة مهمة «ربما تخرج بنتيجة مشرفة في الانتخابات تمكنها من إيجاد معارضة قوية ومسؤولة تقلص نفوذ المؤتمر الوطني الحاكم وتخطو خطوة مهمة نحو التحول الديمقراطي».(يو.بي.آي)