رغم تراجع الأزمة الجزائرية بعناصرها السياسية والأمنية المختلفة بعد انفجارها في أعقاب انطلاق العمل المسلح عام 1992، إلا أن المفارقة تجسدت في تركز أعمال الإرهاب واستهدافها مقرات حكومية وأخرى تابعة للأمم المتحدة، وذلك في ظل نجاح سياسة المصالحة التي أطلقها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

وإذا كانت الضربات الإرهابية الأخيرة موجعة لجهة الخسائر التي خلفتها أوالأماكن التي استهدفتها، إلا أنها طرحت سؤالين أساسيين عن الهدف منها.

السؤال الأول: كيف أن الإرهاب الذي كان في أوج قوته في تسعينات القرن الماضي لم يستطع ضرب مناطق أقل أمناً وحراسة من مقر رئاسة الحكومة ومكاتب الأمم المتحدة بالعاصمة الجزائرية، أن يقوم بذلك خلال العام الجاري الذي أعلن بأنه «عام انتصار سياسة المصالحة على الإرهاب»؟. أما السؤال الآخر: من الذي يقف وراء هذه الأعمال وما هو هدفه؟

وإذ تعذرت إلى الآن الإجابة على السؤال الأول، فإنها كانت سريعة ومباشرة على الثاني من خلال قول بوتفليقة إن «الإرهاب في الجزائر أصبح يخدم مصالح عواصم وزعماء أجانب» من دون أن يحدد من هم، وأنه يستهدف «تعطيل المصالحة الوطنية».

واللافت أن تصريح بوتفليقة جاء عقب التفجير الانتحاري الفاشل الذي استهدفه في سبتمبر الماضي أثناء زيارته إلى ولاية باتنة شرق البلاد، والذي تسبب بمقتل 22 شخصاً وأكثر من 100 جريح.

واعتبر مراقبون أن استهداف بوتفليقة هو استهداف لمشروعه للمصالحة الوطنية، وهو الحل السياسي الذي نال نسبة تأييد 98% بعد عرضه على استفتاء شعبي عام 2005. واعتبر الرئيس الجزائري آنذاك انه الحل الوحيد الكفيل بإنقاذ البلاد من أزمتها بعدما اعتقد القادة الأمنيون عبثاً بأن «سياسة الكل أمني» كفيلة بإنهاء الإرهاب.

وسبق محاولة اغتيال بوتفليقة وقوع تفجيرين عنيفين في إبريل الماضي، استهدف أحدهما للمرة الأولى في تاريخ البلاد مقر رئاسة الحكومة، فيما كان الآخر موجهاً ضد مركز للشرطة، إذ أسفرا عن مقتل 33 شخصاً وإصابة 57 آخرين بجروح. وانسحبت موجة التفجيرات لتستهدف في سبتمبر الماضي أيضا ثكنة للقوات البحرية في شرق البلاد ما أدى إلى مقتل 30 جندياً وإصابة 55 آخرين.

ولم يكد العام الحالي يشارف على نهايته، حتى وقع تفجيران في11 ديسمبر الجاري وسط العاصمة الجزائرية استهدفا مقر المجلس الدستوري ومكتبين لهيئة الأمم المتحدة وتسببا بمقتل 41 شخصاً بينهم 17 من الموظفين الدوليين، فضلا عن 177 جريحاً لا يزال 20 منهم في المستشفيات.

وتبنت هذه العمليات الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي أعلن قائدها عبد الملك دروكدال، 37 عاماً، أوائل العام الجاري انضمامها لتنظيم القاعدة العالمي ليتحول اسمها إلى تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي».

وجاءت التفجيرات الأخيرة بعدما تعهدت الحكومة الجزائرية بجعل العاصمة من أكثر العواصم أمنا في العالم بنهاية العام الجاري. وقرّرت لذلك رفع عدد عناصر الشرطة إلى 200 ألف شرطي وفرض إجراءات أمنية مشددة غير مسبوقة والإبقاء على حالة الطوارئ المعمول بها منذ عام 1992.

كما جاءت التفجيرات بعد إصدار القضاء الجزائري منذ بداية العام أحكاماً أكثرها غيابية بالإعدام والمؤبد ضد أكثر من 250 متّهماً بأعمال إرهابية بينهم عبد الملك دروكدال الملقب ب«أبو مصعب عبد الودود».

وما زاد من تأكيد فرضية الأجندة الأجنبية للإرهاب، هو إعلان رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ عباسي مدني دعمه للرئيس بوتفليقة في سياسة السلم والمصالحة الوطنية، واصطفافه إلى جانب المنددين بالإرهاب والتفجيرات.

الأردن: هزيمة الإسلاميين الحدث الأبرز

شهد الأردن خلال الأسابيع الأخيرة من العام 2007 سلسلة من التغييرات طالت السلطتين التنفيذية والتشريعية وعدداً من المواقع الهامة في الدولة، أبرزها تشكيل حكومة تكنوقراط برئاسة نادر الذهبي، خلفاً لحكومة معروف البخيت، التي واجهت العديد من المشاكل الداخلية لا سيما في الأشهر الأخيرة.

وسبق تشكيل حكومة الذهبي تنظيم انتخابات نيابية أفرزت مجلساً نيابياً جديدا يخلو من النخب السياسية والمعارضة الفاعلة على حد سواء، إذ إن النتائج البارزة في الانتخابات الأخيرة تمثلت في الهزيمة القاسية وغير المتوقعة، التي منيت بها الحركة الإسلامية، القوة الرئيسية للمعارضة في البلاد، لتتوج مواجهة ساخنة بين الحكومة والحركة، امتدت طوال أشهر العام، وأخذت أشكالا مختلفة.

ورأى بعض المراقبين في عمان أن تحجيم الحركة الإسلامية عبر صناديق الاقتراع، كان الحدث الأبرز في الأردن خلال العام الحالي، فالحركة التي كانت حليفاً تقليدياً للنظام، وتدّعي منذ سنوات، أنها الأوسع نفوذا وتأثيرا في الشارع الأردني، لم تتمكن من إيصال سوى 6 مرشحين إلى مجلس النواب، وخسرت 11 مقعداً من مقاعدها في البرلمان.

واعتبر آخرون أن صناديق الاقتراع ليست المحك الحقيقي لقوة الحركة الإسلامية ونفوذها في الشارع، وتأثيرها في المشهد السياسي بالبلاد، وأنه على الرغم من خسارتها غير المتوقعة،إلا أنها لا تزال الأكثر تأثيرا ونفوذا في الشارع والأكثر حضوراً في المشهد السياسي.

وقال المحلل السياسي الدكتور إبراهيم بدران، لوكالة «يونايتد انترناشونال»، «نعم تحجمت الحركة الإسلامية بعد الانتخابات الأخيرة... وهذا حدث هام لم يحصل منذ سنوات على الساحة السياسية الأردنية».

وقال المحلل السياسي سميح المعايطة «لتقييم الأهم، يتمثل بالتغيير الذي طرأ على علاقة الحركة الإسلامية بالدولة.. هناك تغيير كبير طرأ على هذه العلاقة، فهي لم تعد حليفة النظام كما كان متعارفا عليه سابقاً»، معتبرا أن هذا الأمر، أهم بكثير من النتائج المتواضعة التي حققتها الحركة في الانتخابات الأخيرة. (يو بي أي)