لم تمح بهجة العيد غمائم الحزن والأسى عن سكان مدينة العمارة جنوب بغداد، التي شهدت قبل أقل من أسبوعين تفجيرات دموية راح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى. وبدا ان عبدالحسين راضي الرجل الخمسيني ضل الطريق إلى العيد ملابسه السوداء ولحيته الكثة التي تركها دون تشذيب أو عناية تظهر عمق فاجعته.
قال الرجل وكلماته تقطر حزنا وأسى «كنت على مرمى أمتار من الموت، ونجوت بأعجوبة من التفجير، فأنا اعمل سائق تاكسي ومن يومها لم اخرج إلى العمل من هول الصدمة». وأضاف لوكالة «أصوات العراق» المستقلة: «قتل جاري الذي يعمل شرطي مرور، وهو وحيد والدته التي أصيبت بالعمى عند سماع مقتله». وتساءل بمرارة: « كيف أنسى منظر بائع اللبن وهو يحتضن ابنه وهما ملتصقان بسقف المحل من شدة الانفجار.؟
ومجيد بائع الشاي الذي كان يمطرني بنكاته التي لا تنتهي وأنا أحتسي شايه كل صباح». وراح يغمغم.. وكيف؟... وكيف؟.. وكيف؟ وغادر وهو لا يملك السيطرة على دموعه. وانفجرت، الأربعاء 12 الجاري، سيارتان ملغومتان وسط مدينة العمارة مركز محافظة ميسان ما أسفر عن مقتل وجرح أكثر من 200 شخص اغلبهم من المدنيين.
ورأى محمد عبدالنبي أن «هذا العيد يختلف عن الأعياد التي مرت، فشوارع مدينة العمارة جنوب بغداد الرئيسة التي كانت تضج بالحركة والحيوية والألوان في الأعياد السابقة أكثرها مقفلة الآن، ولا تزال اللافتات السوداء معلقة على اغلب شوارع المدينة وبيوتها، وليس ثمة احد من أهالي المدينة لا يشعر بالفجيعة، لأن جميع الذين قضوا هم من أهل المدينة». وتتمتع مدينة العمارة بنسيج اجتماعي خاص، حيث أن معظم ساكنيها يعرف بعظمهم البعض، بسبب صغر المدينة فضلا عن كونها لم تخرج عن تقاليد الريف المعروفة بالتضامن والترابط والبساطة.
ورغم الحزن المخيم على الجميع عبر محمد عبدالرضا عن شيء من التفاؤل قائلا: «أتمنى أن يكون هذا العيد نافذة يطل من خلالها أبناء العمارة على فسحة فرح تنسيهم لوعة الفاجعة التي حصلت». وأستدرك بالقول: «لكن أنا.. أشعر بان أيام العيد ستكون بلا طعم، وليس فيها ما يدعوإلى الفرح، سوى دعواتنا إلى الشهداء الذين سقطوا مضرجين بدمائهم، بالرحمة والغفران».
شارع دجلة الذي وقع فيه الانفجار هو من أهم الشوارع وأكبرها في مدينة العمارة، وهو قلبها التجاري الذي تنتشر على جانبيه المحلات التجارية والأسواق والمطاعم والمقاهي والحدائق المخصصة للعب الأطفال، وبعد غلقه بسبب الانفجار، تكون المدينة قد فقدت مصدر بهجتها وحيويتها.
وقالت أم علي ربة بيت وأم لثلاثة أطفال: «لا تزال علامات الحزن والترقب والقلق منتشرة بين العائلات، مما يدفعهم لعدم إرسال أطفالهم إلى المتنزهات والى مدينة الألعاب». واتفق قيس محمد وهو صاحب محل لبيع الملابس مع من سبقوه في الحديث، إذ كان يجلس وحيدا في محله الذي خلا من الزبائن تماما.
وقال إن «هذا العيد هو أسوأ عيد مر بنا، فكما ترى الحزن مخيم على الجميع والشوارع الرئيسية مقفلة وحركة البيع قليلة جدا»، موضحاً أن «عيد الفطر كان مختلفا، إذ كنت ترى الابتسامة على وجوه المتبضعين، والأسواق مزدحمة وحركة البيع مستمرة على طول اليوم، بحيث نفذت البضاعة عندنا لعدة مرات».
وقال نصير البحار(إعلامي) إن «العيد الكبير هو باستتباب الأمن والسلام في محافظتنا وفي كل العراق».
بغداد ـ «البيان» :