كانت دمشق طوال الحقبة العثمانية التي استمرت أربعة قرون محطة تجمع الحجاج من دول أواسط آسيا إلى جنوب أوروبا، حيث يجتمع آلاف الحجاج في أول أيام عيد الفطر وينطلقون نحو الديار المقدسة يتقدمهم محمل سلطاني يقوده والي الشام في الغالب.. لكن هذا المحمل تحول الآن قطعة أثرية معروضة في متحف التقاليد الشعبية في قصر العظم وسط دمشق القديمة.
وكان هذا المحمل تعبيراً واضحاً عن مدى قوة السلطنة، ونفوذها في أهم منطقتين لها خارج تركيا، وهما بلاد الشام التي كانت تسمى شام شريف، وبلاد الحجاز.
ويعتبر موسم الحج في دمشق أكبر المواسم من الناحيتين الدينية والاقتصادية، حيث تنشأ حركة تسوق وبيع منقطعة النظير نتيجة جلب حجاج الشرق بضائع لبيعها في دمشق وشرائهم بضائع من هذه المدينة العريقة حيث كانت الأسواق تفتح ليل نهار لهم حيث يتبادلون كل شيء.
ويصف العلامة المرحوم أحمد وصفي زكريا كيف كانت مراسم الحج تبدأ في اليوم الأول لعيد الفطر، وتسمى: «مراسم الزيت والشمع والمحمل» حيث تصطف الفرق العسكرية أمام المسجد الأموي وتؤدي التحية لوالي المدينة وقائدها العسكري وبعض كبار الموظفين، وبعد الانتهاء تجرى حفلة إخراج الشموع والزيوت المهيأة لإرسالها مع موكب الحج إلى الحرمين الشريفين.
في «يوم الزيت» وهو الثاني من شوال كل عام، يتم الاحتفال بنقل الزيت من قرية كفرسوسة التي أصبحت حياً من أحياء دمشق اليوم على ظهور الإبل حتى «الكيلار» في البحصة وهو المستودع الخاص بأدوات محمل الحج. وفي اليوم الثالث من شوال (يوم الشمع) ينقل الشمع باحتفال رسمي أيضاً من الدار التي سكب فيها في كفرسوسة ووزنه ثلاثة قناطير، وماء الورد من محصول قرية المزة والتي أصبحت حياً من أحياء دمشق أيضاً، ووزنه نحو قنطار، والملبس ووزنه عشرة أرطال، ويُحمل الشمع على أعناق الرجال ملفوفًا بالشال الكشمير لإهدائه إلى الحرمين، وفي يوم السنجق (الراية أو اللواء) يُخرج السنجق من القلعة حيث يُحتفظ به وينقل باحتفال مهيب إلى دائرة المشيرية ليستقبله المُشير ويضعه في قصره.
أمّا اليوم الرابع من هذه المراسم، هو يوم المحمل، حيث يخرج موكب الحج الشريف مع المحمل والسنجق إلى حي الميدان ثم باب مصر ومنه إلى قرية القدم التي فيها قبة جامع «العسالي» وتحت هذه القبة يوضع المحمل نحو 10 أيام ريثما تنتهي أسباب السفر إلى الحجاز.
ويوضح أحمد حلمي العلاف في كتابه: «دمشق في مطلع القرن العشرين» كيف أن الأسرة السعدية كانت صاحبة المكان المميز في تقاليد الحج، حيث كانت دارهم المحطة الأهم لاستراحة المحمل الشريف.
ويوضع المحمل على ظهر جمل جميل الشكل قوي وعال لا يستخدم لأي عمل سوى الحج، ويحمل إضافة للمحمل الكسوة السلطانية إلى الكعبة الشريفة، وحين كان المحمل يتوقف في دار سعد الدين يتقدم شيوخ الأسرة ووجهاؤها ليلقموا الجمل قطعا من اللوز والسكر، فيتهافت الناس على التقاط الفضلات من فم الجمل تبركاً وتحببا لأنه يحمل أعظم شعار يجتمع إليه المسلمون عند ذهابهم إلى الحج، وبعد وصول المحمل إلى العسالي، ينتظر تجمع الحجاج يوماً أو يومين حيث تسير قافلة أمير الحج في طريقها إلى المدينة المنورة.
كانت الدولة العثمانية تتحمل نفقات الحج وتعهد بإمارته إلى واحد من كبار العسكريين في دمشق أو من زعماء العشائر العربية في فلسطين.
وكان أمير الحج يخرج من سراي الحكم (المشيرية أو العسكرية) على رأس موكب الحج بين 15 و17 شوال، ويتخذ طريقه: الميدان، مجتازا باب المصلى، ثم الميدان الفوقاني، إلى باب الله في ممر يمتد نحو ثلاثة كيلومترات متجهاً إلى قرية مزيريب، وبعد خروج الحج ببضعة أيام، من يومين إلى خمسة، تخرج قافلة الحج الشامي من الطريق نفسه، يتلوها قافلة الحج الحلبي ومعهم حجاج العجم، ويبقى الجميع في مزيريب حتى يتم خروج الموكب بأجمعه.. وكانت رحلة الحج الشامي تستغرق أربعة أشهر من شوال حتى صفر.
دمشق ـ تيسير أحمد
