اتهم وزير الخارجية السوري وليد المعلم الإدارة الأميركية بعرقلة الحل في لبنان واعتبر زيارة المبعوث الأميركي ديفيد وولش إلى العاصمة اللبنانية بيروت الأخيرة عرقلت المبادرة الفرنسية وأخرت إمكانية الوصول إلى حل في لبنان، ونفى وجود أي حوار أو صفقات بين سوريا والولايات المتحدة على حساب لبنان، مؤكداً على أن «البعض واهم» بأن دمشق ستقوم بالضغط على المعارضة لحساب الأكثرية.

أما الأحاديث الصحافية التي تحدثت عن اتصالات مع جنبلاط فنفاها جملة وتفصيلاً، مؤكداً في الوقت نفسه على أن قلب سوريا كبير، ولا تريد استثناء أي مكون في لبنان صغر أم كبر.

وقال المعلم في لقائه مع بعض مراسلي الصحف العربية المعتمدين في دمشق: «تذكرون منذ أكثر من شهر بادر الرئيس الفرنسي إلى إرسال مبعوثين إلى سوريا، حاملين رسالة إلى الرئيس بشار الأسد. كان مضمون الرسالة إيجابياً يتحدث عن رغبة فرنسا في التعاون مع سوريا لتسهيل التوافق اللبناني والحوار بين اللبنانيين بالإضافة إلى آفاق تطور العلاقات الثنائية بين سوريا وفرنسا».

وأضاف أن «الرئيس الأسد أجاب بأن سوريا لم تكن تنوي عمل شيء لسبب بسيط هو أنه ليس لديها اتصالات مع جميع الأطراف اللبنانية، في الوقت الذي أكد الفرنسيون وجود اتصالات مع كل الأطراف اللبنانية، وأن قرار فرنسا هو الوقوف على مسافة واحدة من هذه الأطراف. وبالفعل بدأ التعاون السوري الفرنسي وفق مجموعة من الأطر أولاً: أن العلاقات السورية الفرنسية ليست مرتبطة بطرف ثالث أياً يكن.

ثانياً: سوريا تتعاون مع فرنسا إذا تأكدت أن الولايات المتحدة الأميركية لن تتدخل وتعرقل الحل المنشود. ثالثاً: أن سوريا في تعاونها تهدف إلى تشجيع اللبنانيين على الحوار في ما بينهم لأن الحل يجب أن يكون لبنانياً ولأنه ينطلق من قاعدة التوافق».

وأكد المعلم أن هذه هي الأطر هي التي اتفق عليها السوريون مع الفرنسيين منذ اللقاء الأول الذي جرى في دمشق.

وأكد وزير الخارجية السوري أن الاتصالات السورية الفرنسية المستمرة، تمخضت عن اتفاق على مشروع إعلان مبادئ فيه ثلاث نقاط، الأولى: انتخاب رئيس توافقي وهو العماد ميشال سليمان من خلال تعديل الدستور اللبناني والثانية: تشكيل حكومة وحدة وطنية حسب تمثيل الكتل النيابية للبرلمان الحالي والثالثة تعديل قانون الانتخاب بشكل عادل ومنصف.

وأردف المعلم يقول: «ذهب كوشنير إلى لبنان في زيارته الأخيرة وبدأ الاتصال مع الأطراف اللبنانية، وكان اللقاء الأهم مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ومع سعد الحريري. وخرج بعدها إلى مطار بيروت ليعلن أنه حقق نصف انتصار. بمعنى أنه تم الاتفاق على إعلان المبادئ لكن لا تزال هناك عقبتان هما: آلية تعديل الدستور، وتفسير عبارة حسب نسب التمثيل في مجلس النواب».

وأوضح أن «الاتصالات السورية الفرنسية استمرت للتغلب على هاتين العقبتين ونشط القانونيون والنواب اللبنانيون في تفسيرات متعددة في كيفية التغلب على آلية تعديل الدستور، وكان واضحاً أن الخلاف في لبنان حول الآلية ليس قانونياً فحسب بل توجد عوامل سياسية تقف وراءه، والسبب أن هناك في لبنان رأيين: رأي يعترف بحكومة السنيورة، ورأي يعتبرها غير شرعية لأنها تستبعد طائفة كاملة من تركيبتها وهذا يخالف ميثاق العيش المشترك»،ة مضيفاً أن «الخلاف الثاني كان حول تمثيل الكتل النيابية في الحكومة القادمة، فإذا أخذنا نسبة نواب المعارضة في المجلس الحالي فنجدهم يشكلون 45 في المئة في حين يشكل الأكثرية 55 نائباً.

وهذا يعني حسابياً 17 وزيراً للأكثرية و13 وزيراً للمعارضة، مع مراعاة حصة رئيس الجمهورية في الحكومة وهي خمسة نواب وتؤخذ من الجانبين حسب هذه النسبة».

وتابع وزير الخارجية السوري أن دمشق «علمت من الفرنسيين أن بري والحريري اتفقا على آلية معينة لتعديل الدستور لكنها لا يزالان مختلفين حول نسبة الـ 17 و الـ 13..إذن هذه هي العقبة التي لا تزال قائمة أمام إمكانية إجراء انتخابات وتعديل الدستور».

وأسف لأن الفرنسيين «لم يظهروا التزاماً بالابتعاد عن الدور الأميركي الذي عطل بالفعل التوجه السوري الفرنسي للحل».

وعن الدور الأميركي قال: «تذكرون أن ديفيد وولش زار لبنان مرتين ولنسأل ماذا يريد الأميركيون؟»، وأجاب بقوله: ««من المنطقي أن يعني وقوف الولايات المتحدة مع أي قرار تتخذه الأكثرية، ثم المطالبة بإجراء الانتخابات الرئاسية بأسرع وقت ممكن؛ أن الولايات المتحدة ليست مع التوافق بين اللبنانيين، وأن الولايات المتحدة مع غالب ومغلوب، وأن الولايات المتحدة تريد أن تحتكر الأكثرية اللبنانية القرار اللبناني، في حين اتفقنا مع الفرنسيين أن نقف على مسافة واحدة من الفريقين، وتحييد الدور الأميركي المعطل للتوافق اللبناني.

والاتفاق على أن يكون الحل توافقياً، ثم فوجئنا باجتماع تعقده وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في باريس بحضور وزير الخارجية الفرنسي كوشنير ووزراء أوروبيين وبعض السفراء العرب رغم كل ما قيل عن محاولات فرنسية وعربية لتخفيف لهجة البيان الأميركي الذي عرض في الاجتماع..

وصدر بيان لا يؤكد وقوف هذه الدول المشاركة في الاجتماع على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين، ولا يؤكد على أهمية التوافق بين اللبنانيين. والمفاجأة الأخرى كانت لقاء الرئيس ساركوزي مع الصحافيين العرب حديثه عن وجود مهلة حسبما نقل عنه بعض المراسلين العرب من كلام يقول إن علاقات فرنسا وسوريا وصلت إلى نهاية المطاف وأنه ينتظر يوم السبت».

وأشار المعلم إلى أن بلاده «تعرضت لموجة ضغوط هائلة من قبل الولايات المتحدة الأميركية ومن فرنسا شيراك، ومن الغرب عموماً وحتى بعض العرب.. وكان المراد من هذه الضغوط إجبار سوريا على اتخاذ مواقف لا تصب في مصلحتها ولا تصب في أمن واستقرار المنطقة..

ونحن في سوريا بالفعل نريد إجراء الانتخابات الرئاسية اللبنانية في أقرب وقت ممكن من خلال رئيس توافقي يجمع ويوحد اللبنانيين، لأن هذا السبيل هو سبيل أمن واستقرار لبنان. ولأن الأزمة في لبنان تعود إلى أكثر من عام والاعتصامات في الساحات موجودة تريد حلاً سياسياً يتفق عليه الجميع ولا يحل مشكلة ليخلق أزمة جديدة، بل يؤدي إلى تمهيد الطريق أمام الرئيس المنتخب ليبدأ عهده دون أزمات».

وأضاف: «نحن نرى أن الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية بين الأطراف اللبنانية هام كأهمية انتخاب الرئيس الجديد، لأنه سيؤدي إلى تفعيل المؤسسات الدستورية وينهي الاعتصامات ويمهد الطريق أمام حوار وطني لبناني شامل».

وبشأن الدور السوري في لبنان قال: «هناك من يقول بأن على سوريا أن تلعب دوراً بنّاءً. بالفعل سوريا تلعب دوراً بناءً وأؤكد بأنها لا تتدخل بالشؤون اللبنانية بل تلعب دور التسهيل لكن في النهاية القرار لبناني. لكن من يعتقد أو يتوهم بأن الدور السوري البناء يعني أن تقوم سوريا بالضغط على المعارضة اللبنانية من أجل تلبية رغبة الأغلبية فهذا وهم، أولاً: لأن سوريا لا تضغط بل تشجع وتحض.

وثانياً: لأن موقف المعارضة موقف مشروع فهم لا يطالبون بأكثر مما هم يمثلون في مجلس النواب. ما هو الخطأ في تشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل اللبنانيين، وما هو الخطأ في أن يتحاور اللبنانيون فيما بينهم. أليست هذه هي الوسيلة لكي ينهض لبنان على أيدي أبنائه؟».

وأكد وزير الخارجية السوري أن بلاده تأمل «أن تجري الانتخابات اليوم قبل الغد». وكشف أنه نصح الفرنسيين بالاتصال مع الجنرال عون ومع الرئيس بري، وشدد على أن «الموضوع ليس مفاوضات بين سوريا وفرنسا، الموضوع هو التوافق بين المعارضة وبين الموالاة والخلاف حول نسبة التمثيل بين 10 أو 11 مع الأخذ بعين الاعتبار حصة الرئيس وهي خمسة وزراء من 30 وزيراً»، ونفى في المقابل وجود أزمة مع الفرنسيين وأكد تصميم سوريا على «التنسيق مع فرنسا وصولاً إلى الفوز معاً، حيث سيكون يوماً سعيداً لفرنسا وسوريا عندما يتوافق اللبنانيون».

ونفى المعلم دخول سوريا في صفقات مع الولايات المتحدة مؤكداً أن دمشق «تنتهج سياسة يرسمها الرئيس بشار الأسد تنطلق من الحرص على سوريا ومصالح العرب» متسائلاً: «هل يعقل بعد كل هذه الإغراءات المقدمة لسوريا أن تعطل الانتخابات اللبنانية، منطق الأمور يقول إن سوريا حريصة على إجراء الانتخابات الرئاسية اللبنانية في أسرع وقت، ومن يريد عرقلة هذه الانتخابات هو من لا يريد لسوريا أن تحقق مصالحها».

وفي شأن انتخاب الرئيس اللبناني بالنصف زائد واحد قال: «لا أعتقد أن الوضع يتجه إلى انتخاب الرئيس بالنصف زائد واحد، لا حل في لبنان إلا بالتوافق وهي رغبة لبنانية ورغبة عربية ودولية».

ونفى وجود أي اتصال مباشر مع العماد عون وقال«نحن نأخذ المعارضة بكتلتها، والعماد عون يعتبر نفسه جزءاً منها، وهو المخول بالتفاوض باسمها مع الفريق الآخر، وما يتفقون عليه سوف تؤيده المعارضة، وتؤيده سوريا. ونحن نحترم قرار العماد عون التخلي عن الترشح لانتخابات الرئاسة رغم ما يتمتع به من تأييد في الشارع الماروني والمسيحي، وهذا الموقف الوطني يسجل له ويفتح المجال لانتخاب العماد سليمان».

محكمة الحريري غير مرتبطة بالرئاسة

قال المعلم حول المحكمة الدولية لمحاسبة المتهمين بقتل رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري إن سوريا لا تربط موضوع المحكمة مع الاستحقاق الرئاسي اللبناني.

وشدد على أن «المحكمة أصبحت في عهدة الأمم المتحدة وخرجت من لبنان، وموقف سوريا من المحكمة واضح وهو أننا نتعاون في سير التحقيقات للكشف عن الفاعل، ولكن لدينا قوانيننا ومحاكمنا».

دمشق ـ تيسير أحمد